تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
ومشيئته فلا يعقل وجود نظام له كامن في صميم ذاته ليكون سيره ووجوده تحت إطار هذا النظام الخاص من دون تخلفه عنه . والوجه في هذا واضح ، وهو : أن مشيئة الإنسان تختلف باختلاف أفراده ، كما تختلف باختلاف حالاته النفسية ودواعيه الداخلية والخارجية ، فلهذا السبب جعل لها نظم وقوانين خاصة ليكون سيرها الوجودي تحت إطار هذه النظم ، وهذا بخلاف سلسلة المعاليل الطبيعية فإنها تخضع في سيرها الوجودي نظاما خاصا وإطارا معينا الذي أودعه الله تعالى في كمون ذاتها ، ويستحيل أن تتخلف عنه ، ولذا لا يعقل جعل نظام لها من الخارج ، لعدم خضوعها له واستحالة تخلفها عن نظمه الطبيعية ، وهذا برهان قطعي على أن السلسلة الأولى سلسلة اختيارية فأمرها وجودا وعدما بيد فاعلها ، دون السلسلة الثانية فإنها مقهورة ومجبورة في سيرها على طبق نظمها الطبيعية الموضوعة في صميم ذاتها وكمون واقعها . لحد الآن قد تبين افتراق السلسلة الأولى عن السلسلة الثانية بنقطة موضوعية ، فلو كانت السلسلة الأولى كالسلسلة الثانية مقهورة ومجبورة في سيرها الوجودي لم يمكن الفرق بينهما . وأما الأمر الثاني : فالقاعدة المذكورة وإن كانت تامة في الجملة إلا أنه لا صلة لها بالأفعال الاختيارية . والسبب في ذلك : أن هذه القاعدة ترتكز على مسألة التناسب والسنخية التي هي النقطة الأساسية لمبدأ العلية ، فإن وجود المعلول - كما تقدم - مرتبة نازلة من وجود العلة ، وليس شيئا أجنبيا عنه . وعلى هذا فبطبيعة الحال أن وجود المعلول قد أصبح ضروريا في مرتبة وجود العلة ، لفرض أنه متولد منها ومستخرج من صميم ذاتها وواقع مغزاها ، وهذا معنى احتفاف وجوده بضرورة سابقة . ومن الطبيعي أنه لا يمكن تفسير الضرورة في القاعدة المذكورة على ضوء مبدأ العلية إلا في المعاليل الطبيعية ، ولا يمكن تفسيرها في الأفعال الاختيارية
محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 57 | الشيخ محمد إسحاق الفياض