والالتفات لا يوجبان تفاوتا في واقع العلية وحقيقتها الموضوعية ، فإذا كانت
الأشياء متولدة من وجوده تعالى بنحو الحتم والوجوب ، وتكون من مراتب
وجوده تعالى النازلة بحيث يمتنع انفكاكها عنه فإذا ما هو معنى قدرته تعالى
وسلطنته التامة ؟ على أن لازم هذا القول انتفاء وجوده تعالى بانتفاء شئ من هذه
الأشياء في سلسلته الطولية ، لاستحالة انتفاء المعلول بدون انتفاء علته .
وأما الثاني : فقد تقدم ( 1 ) ما يدل من الكتاب والسنة على أن صدور الفعل منه
تعالى بإرادته ومشيئته .
ومن هنا يظهر : أن ما ذكر من الضابط للفعل الاختياري وهو : أن يكون صدوره
من الفاعل عن علم وشعور وحيث إنه تعالى عالم بالنظام الأصلح فالصادر عنه
فعل اختياري لا يرجع إلى معنى محصل ، بداهة أن علم العلة بالمعلول . وشعورها
به لا يوجب تفاوتا في واقع العلية وتأثيرها ، فإن العلة سواء أكانت شاعرة أم كانت
غير شاعرة فتأثيرها في معلولها بنحو الحتم والوجوب ، ومجرد الشعور والعلم
بذلك لا يوجب التغيير في تأثيرها والأمر بيدها ، وإلا لزم الخلف .
فما قيل : من أن الفرق بين الفاعل الموجب والفاعل المختار : هو أن الأول
غير شاعر وملتفت إلى فعله دون الثاني ، فلأجل ذلك قالوا : إن ما صدر من الأول
غير اختياري وما صدر من الثاني اختياري لا واقع موضوعي له أصلا ، لما
عرفت ( 2 ) من أن مجرد العلم والالتفات لا يوجبان التغيير في واقع العلية بعد فرض
أن نسبة الفعل إلى كليهما على حد نسبة المعلول إلى العلة التامة .
وأما الدعوى الثانية : فقد ظهر وجهها مما عرفت ( 3 ) من أن إسناد الفعل إليه
تعالى إسناد إلى الفاعل المختار ، وقد تقدم أن صدوره بإعمال القدرة والسلطنة ،
وبطبيعة الحال أن سلطنة الفاعل مهما تمت وكملت زاد استقلاله واستغناؤه عن الغير .
وحيث إن سلطنة الباري - عز وجل - تامة من كافة الجهات والحيثيات ولا
هامش
( 1 ) راجع ص 35 - 36 .
( 2 ) قد تقدم آنفا فلاحظ .
( 3 ) تقدم في ص 35 - 36 فراجع .