( أرسطاطاليس ) ( 1 ) رد عليهم فقال إن الذي يكون بالعرض والاتفاق إنما هو
شئ يأتي في الفرط مرة لأعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها ، وليس
بمنزلة الأمور الطبيعية الجارية شكل واحد جريا دائما متتابعا .
وأنت يا مفضل ترى أصناف الحيوان أن يجري أكثر ذلك على مثال
ومنهاج واحد ، كالإنسان يولد وله يدان ورجلان وخمس أصابع ، كما عليه
الجمهور من الناس ، فأما ما يولد على خلاف ذلك ، فإنه لعلة تكون في
الرحم ، أو في المادة التي ينشأ منها الجنين ، كما يعرض في الصناعات ، حين
يتعمد الصانع الصواب في صنعته ، فيعوق دون ذلك عائق في الأداة ، أو في
الألة التي يعمل فيها الشئ ، فقد يحدث مثل ذلك في أولاد الحيوان للأسباب
التي وصفنا ، فيأتي الولد زائدا أو ناقصا أو مشوها ، ويسلم أكثرها فيأتي سويا لا
علة فيه ، فكما أن الذي يحدث في بعض أعمال الأعراض لعلة فيه لا يوجب
عليها جميعا الاهمال وعدم الصانع ، كذلك ما يحدث على بعض الأفعال
الطبيعية لعائق يدخل عليها ، لا يوجب أن يكون جميعها بالعرض والاتفاق ،
فقول من قال في الأشياء أن كونها بالعرض والاتفاق من قبيل أن شيئا منها يأتي
على خلاف الطبيعة بعرض يعرض له خطأ وخطل . . . فإن قالوا : ولم صار مثل
هذا يحدث في الأشياء ؟ قيل لهم ليعلم أنه ليس كون الأشياء باضطرار من
الطبيعة ، ولا يمكن أن يكون سواه - كما قال القائلون - بل هو تقدير وعمد من
خالق حكيم ، إذ جعل الطبيعة تجري أكثر ذلك على مجرى ومنهاج معروف ،
هامش
( 1 ) أرسطاطاليس لفظة يونانية معناها محب الحكمة ويقال أرسطو وهو إحدى الشخصيات العالمية
التي اشتهرت منذ قرون بعيدة ، كان تلميذا لأفلاطون بعد أن خلفه على دار التعليم عند غيبته
إلى صقلية نظر في الفلسفة بعد أن أتى عليه من العمر ( 30 ) عاما . كان بليغ اليونانيين وأجل
علمائهم ، كما كان من ذوي الأفكار العالية في الفلسفة ، ويعرف بالمعلم الأول لأنه أول من
جمع علم المنطق ورتبه واخترع فيه ، وقد عظم محله عند الملوك حتى أن الإسكندر الأكبر كان
يمضي الأمور عن رأيه ، عاش سبعا وستين سنة ، بعد أن توفي في خلكيس عام 322 قبل
الميلاد ، وله كتب كثيرة في مختلف فروع العلم .