من يقول : قرّبوا يكتب لكم النبيّ كتابا لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر « 1 » ، أي يقول : هجر رسول اللّه .
وفي رواية أخرجها الطبراني في الأوسط عن عمر ( 1 ) قال : لمّا مرض النبيّ ، قال :
« ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا » فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال عمر : فقلت : إنّكنّ صواحبات يوسف إذا مرض عصرتنّ أعينكنّ ، وإذا صحّ ركبتنّ عنقه ، قال : فقال رسول اللّه :
« دعوهنّ فإنّهنّ خير منكم » « 2 » . انتهى .
وأنت ترى أنّهم لم يتعبّدوا هنا بنصّه الذي لو تعبّدوا به ، لأمنوا من الضلال ، وليتهم اكتفوا بعدم الامتثال ولم يردّوا قوله ؛ إذ قالوا : حسبنا كتاب اللّه ، حتّى كأ نّه لا يعلم بمكان كتاب اللّه منهم ، أو أنّهم أعلم منه بخواصّ الكتاب وفوائده .
وليتهم اكتفوا بهذا كلّه ولم يفاجئوه بكلمتهم تلك : « هجر رسول اللّه » وهو محتضر بينهم ، وأيّ كلمة كانت وداعا منهم له صلى الله عليه وآله وسلم ، وكأ نّهم - حيث لم يأخذوا بهذا النصّ اكتفاء منهم بكتاب اللّه على ما زعموا - لم يسمعوا هتاف الكتاب آناء الليل وأطراف النهار في أنديتهم : «
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
» « 3 » .
وكأ نّهم حيث قالوا : « هجر » لم يقرأوا قوله تعالى : «
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
» « 4 » .
شرح
( 1 ) كما في ص 138 من الجزء الثالث من كنز العمّال « 5 » .
هامش
( 1 ) - . تقدّم في ص 128 .
( 2 ) - . المعجم الأوسط 162 : 6 ، ح 5334 ، وفيه : « ادعوا لي » بدل « ائتوني » .
( 3 ) - . الحشر 7 : 59 .
( 4 ) - . التكوير 19 : 81 - 22 .
( 5 ) - . كنز العمّال 644 : 5 ، ح 14133 .