وإليك منها ما تجده في باب فضائل عليّ من صحيح مسلم ( 1 ) من حديث جاء فيه :
أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حين أعطاه الراية يوم خيبر قال له : « امش ولا تلتفت » وأ نّه مشى شيئا ثمّ وقف ولم يلتفت ، فصرخ : « يا رسولاللّه ، على ماذا أقاتل الناس ؟ » قال صلى الله عليه وآله وسلم :
« قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا اللّه ، وأنّ محمّدا رسول اللّه ، فإن فعلوا ذلك ، فقد منعوا منك دماءهم وأمو الهم إلّا بحقّها وحسابهم على اللّه » .
وفي صحيحي البخاري ومسلم بالإسناد إلى أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحرقة « 1 » ، فصبّحنا القوم فهزمناهم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم ، فلمّا غشيناه قال : لا إله إلّا اللّه ، فكفّ الأنصاري عنه ، فطعنته برمحي ، فلمّا قدمنا بلغ النبيّ ذلك فقال : « يا اسامة ، أقتلته بعدما قال : لا إله إلّا اللّه ؟ » قلت : كان متعوّذا ، فما زال يكرّرها حتّى تمنّيت أنّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم « 2 » .
قلت : ما تمنّى ذلك حتّى ظنّ أنّ جميع ما عمله قبل هذه الواقعة من إيمان وصلاة وزكاة وصوم وحجّ وصحبة وجهاد وغيرها لا يمحو عنه هذه السيّئة ، وأنّ أعماله الصالحة بأجمعها قد حبطت بها ، ولا يخفى ما في كلامه من الدلالة على أنّه كان يخشى أن لا يغفر له بعدها ؛ ولذا تمنّى تأخّر إسلامه عنها ، ليكون داخلا في حكم قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « الإسلام يجبّ ما قبله » « 3 » ، وناهيك بها حجّة على احترام أهل لا إله إلّا اللّه وعصمة دمائهم .
شرح
( 1 ) ص 324 من جزئه الثاني « 4 » .
هامش
( 1 ) - . الحرقة : ناحية بعمان . راجع معجم البلدان 243 : 2 .
( 2 ) - . صحيح البخاري 1555 : 4 - 1556 ، ح 4021 ؛ و 2519 : 6 ، ح 6478 ؛ صحيح مسلم 97 : 1 ، كتاب الإيمان ، ح 96 .
( 3 ) - . كنز العمّال 66 : 1 ، ح 243 ؛ و 374 : 13 ، ذيل الحديث 37024 .
( 4 ) - . صحيح مسلم 1871 : 4 - 1872 ، كتاب فضائل الصحابة ، ح 33 .