وانّ له علماً وتفكيراً .
3 - وهناك طائفة ثالثة ، وقفوا على ما أوعزنا إليه فجاءوا بعبارة أُخرى تحدّد دائرة تشكيك الحقائق وقالوا : ليس لنا علم بشيء عدا ذاتنا وتفكيرنا معترفين بواقعيّتين : واقعيّة ذات الإنسان ، وعلمه .
4 - نعم المتعصّب منهم ربّما بالغ في قوله فبدّل التشكيك بالإنكار وعدمَ العلم ، بالعلم بالعدم ، فجاء نافياً لكل شيء عدا ذاته وتفكيره .
5 - وجازف عدّة من قرنائه فأنكروا مطلق الواقعية وأبطلوا كل شيء حتى وجودهم وتفكيرهم وجعلوا العالم خداعاً وخيالًا .
ومرجع هذه السفسطات إلى إنكار العلم الكاشف عن الواقع أو إلى التشكيك في الإدراك المطابق للواقع كما ترشد إليه جملة من أدلّتهم ، فانّها تحوم حول ما ذكرنا كما سيوافيك بيانها .
نعم الأساس الوحيد لهذه المناهج السفسطية ، إنّما هو إنكار ما هو أُم القضايا عند أهل الاستدلال المعترفين بالحقائق والوقائع - أعني : امتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما - فإنّ تسلّم هذين الامتناعين أساس البرهنة فلا يمكن لأيباحث إثبات حقيقة أو نفيها إلّا بعد تسليمهما ، كما أنّ نفي الامتناعين أُس السفسطة ، فإنّ القول بصحة الآراء كافّة نفياً وإثباتاً على ما يرجع إليه نفي الحقيقة والواقعية لآرائنا وتفكيراتنا ، عين القول باجتماع النقيضين ، كما أنّ القول بكذبهما جميعاً نفياً وإثباتاً عين القول بعدم امتناع ارتفاعهما .
فلو صحّ قولنا : السماء موجودة ، وصح في الوقت نفسه السماء غير موجودة ، فهذا عين التصديق باجتماع النقيضين ، فلو لم يصدق قولنا : السماء ممطرة ، وكذب في الوقت نفسه ، السماء غير ممطرة ، فهذا عين القول بعدم
أصول الفلسفة — صفحة 88
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٨٨