ولو كان شاكّاً في الواقعية غير مؤمن بشيء من الموجودات الخارجية وراء التصوّر فهو سوفسطائي اصطلحوا على تسميته ب « أيده أليست » .
والبحث عن وجود الأشياء أمّا على أساس الفلسفة والإذعان بالحقائق ( رئاليسم ) أو على طريق السفسطة ( أيده اليسم ) والفيلسوف لأجل إيمانه بعالم وراء المادة فيلسوف إلهي ولأجل إنكاره ونفيه كل أمر غيبي فيلسوف مادّي ، ولأجل ذلك تجد بوناً شاسعاً بين المدرستين فالفيلسوف الإلهي يعتمد على الفلسفة الإلهية ( متافيزيقا ) « 1 » والآخر على الفلسفة المادّية ( ماترياليسم ) .
هامش
( 1 ) . نقل كتاب تاريخ الفلسفة انّ المعلم الأوّل جمع شتات العلوم الدارجة في تلك الأزمنة ، في كتاب واحد وصار دائرة معارف لعصره غير انّه أفرز الرياضيات عن سائر العلوم ، وكان ذلك الكتاب مشتملًا على المباحث والعناوين التالية :
القسم الأوّل : البحث عن الطبيعيّات ، بفنونها وصورها المختلفة ، وقد أورد في ذيل ذلك البحث ، ما يرجع إلى الفن الأعلى ، أعني : البحث عن الأُمور العامة ، وهو البحث عن عوارض الموجود المطلق بما هو موجود مطلق .
القسم الثاني : ما يرجع إلى الأخلاق وتدبير المنزل وسياسة المدن .
القسم الثالث : العلوم الإبداعية من الشعر والخطابة والجدل ولمّا كان تعقيب البحث عن الأُمور الطبيعية بالبحث عن الأُمور العامة غير معنون بعنوان خاص من ناحية مؤلّفه أطلقوا عليه لفظ متافيزيقا ( 1 ) الذي هو بمعنى ما بعد الطبيعة ، أيالمباحث الموضوعة حسب وضع الكتاب بعد المباحث الطبيعية ، غير انّه حدث بعد ذلك العصر تطوّر في تلك الكلمة فاستعملوا تلك اللفظة في البحث عن الأُمور المجرّدة وكلّ أمر يكون وراء الطبيعة ، وربّما أُطلقت لفظة « ميتافيزيين » على العلماء الإلهيّين المؤمنين بما وراء الطبيعة .
وهذا الغلط اللفظي صار مبدأً لأغلاط وجرّت الويلات وألصق تهمات على الفلاسفة الإلهيّين . ترى المادّي يفسّر لفظة « ميتافيزيقا » بأنّه العلم الباحث عن الخالق والروح مع أنّ الموضوع في ذلك المجال لا ينحصر فيما ذكر ، بل الموضوع هو الموجود المطلق ، بل لا ملازمة بين البحث عن عوارض الموجود المطلق ، وكون الباحث مؤمناً بالعوالم الروحانية ، بل يمكن أن يكون مادّياً غير مؤمن بها .
غير انّا آثرنا القوم في استعمال هذه اللفظة في هذه الفصول والأبواب ، فأطلقنا لفظ « ميتافيزيين » على القائلين باللَّه والأرواح المجرّدة .
وأمّا لفظة « ديالكتيك » ( 2 ) فهي كلمة يوناينة مشتقة من « ديالكو » بمعنى الجدل والمناظرة . وقد نقل عن « سقراط » انّه كان يناظر مع خصمائه ، وكان يبتدئ بالبحث من أبسط المبادئ ، ويأخذ اعتراف خصمه بما يقرّره واحداً بعد واحد ، فلم يزل الخصم يعترف شيئاً فشيئاً ، وفي الوقت نفسه يرى انّه اعترف بمقالته من غير شعور واستشعار ، وكانوا يسمّون ذلك المنهج ب « المنهج الديالكتيكي » .
وجاء بعده تلميذه البارع « أفلاطون » واستعمله في طريقه الخاص به إلى أن ولد الزمان الفيلسوف الألماني « هيگل » ( 3 ) في أوائل القرن التاسع عشر ، فاستعمله في منهجه الخاص به ، وسوف يوافيك توضيح منهجه في المستقبل الآتي ولكن الرجل لم يكن مادّياً ، غير انّه تربّى في حجره أساطين المادّية في ذلك القرن ولقد تخرّج عليه « كارل ماركس » وصديقه « انجلس » اللذان يعدّان من المؤسّسين للإلحاد في ذلك العصر ، فأشاعا المنطق الديالكتيكي ، وبما انّ الرجلين كانا من الملحدين والمنكرين لغير المادّة ، بنو آراءهم المادّية على المنطق الديالكتيكي ، فحدث ذلك المنهج الحديث واشتهر ب ( المادّية الديالكتيكية ) أو المادّية الجدلية .
وان أحفيت الحقيقة في ناحية ذلك المنهج ، فالحق إنّ المادّية الديالكتيكية منهج ملفّق ، من الآراء الدارجة بين المادّيين في القرن الثامن عشر ، ومن المنطق الموروث من « هيگل » .
ثمّ إنّ الحركة من الأُصول المسلّمة في منطق « الديالكتيك » وقد أوجب أصحابها أن يطالعوا الموجودات في حال الحركة - لأجل ذلك تشعّبت المادّية إلى فرقتين :
الأُولى : الأُصول التي تعتمد على مطالعة الموجودات حال ثبات الأشياء ، وجمودها يضاهي في استدلالاته المنهج الميتافيزيقي ، فهذه هي المادّية الجامدة غير المتحوّلة ، وكانت رائجة في القرن الثامن عشر .
الثانية : التي تعتمد على الحركة العامّة في الموجودات عامّة بلا استثناء القوى العاقلة والتفكير ويجتنب عن الأُصول الجامدة ، والقواعد الثابتة المسلّمة عند العلماء « الميتافيزيين » فهذه هي المادّية الحركية المسمّاة عندهم ب « المادّية الديالكتيكية » كما أنّ الأُولى تسمّى عندهم ب « المادّية الميتافيزيقية » .
فانظر إلى التطوّر الحادث في لفظ « ديالكتيك » .
-. RUQISYHPATEM - 1. EUQITCELAID - 23 - HEGEL .