في طواياه ملايين من بني الإنسان . . . واد يبعث الروع والوجل في
الأفئدة . من تلك القبور الماثلة دكاكها تتمثل المنايا مكشرة عن أنيابها ،
فأي قلب لا يزفر أو أي صدر لا يخرج من أعماقه تنهداته وحسراته !
وما أصدق الشاعر بقوله :
سر إن اسطعت في الهواء رويدا * لا اختيالا على رفات العباد
فكم من جناجن صدر طحنت وكم من أشلاء أبليت فكان منها تراب
هذا الوادي الأقدس إذن فما أطهرها من تربة وما أنقاها ! !
بالموت تخضد شوكة الإنسان ، فالنفس الصعبة المراس القوية
الشكيمة تخضع ذلا واستكانة عند جبروت الموت فتتساوى تلك
النفوس في ملكه وفي ديموقراطية سلطانه . . . في الأرماس المزدحمة في
هذا الوادي هدأت النفوس في سباتها العميق بعد أن أتعبتها الأيام ،
فالشاعر الذي كان ينفح الناس بعبقاته ويشيع في الأمة روحه الفذة ،
والعالم الذي كانت تزدحم الأفكار والحقائق في دماغه وأفاد الأمة
بسديد آرائه وناضج أفكاره ، والفنان الذي صور الحياة ببأسائها وتعسائها ،
والزاهد الذي عزف عن متع الحياة وصدف عن متعها ، فمضى لسبيل
ربه نقي السريرة طاهر الضمير ولم يتحمل آثام المجتمع ، وهؤلاء كلهم
جروا في مضامير الحياة وعند مرحلة كانت هدأتهم الأخيرة :
ضجعة الموت رقدة يستريح * الجسم فيها والعيش مثل السهاد
مدينة النجف — صفحة 70
مساهمون: محمد علي جعفر التميمي
ص٧٠