وإنما الذي يهمنا هو الجانب الثاني وهو ما قلنا عنه إنه استحالة عملية فلو استطاع شخص أو جماعة أن يعلموا بأمور المستقبل فسوف لن يستطيعوا أن يعرّفوها إلى الناس أو أن يفهموها للمجتمع إلا في أضيق نطاق كفرد أو فردين أما على مستوي المجتمع فلا ، بكل تأكيد .
والسر في ذلك هو القانون الذي أشرنا إليه : كلم الناس على قدر عقولهم . فإن تكليم الناس على ما يحدث في المستقبل هو أعلى من عقولهم لا يطيقون فهمه ولا يستوعبون معناه .
وليس هذا المعنى بعيدا عن أذهاننا ، بل يكفينا مقدار مئة سنة لنروي لمن كان هناك ما حصل لدينا من تطورات صناعية وفكرية واجتماعية . إنه بالتأكيد سوف لن يصدق ، وإن صدق فسوف يختلط عقله ، وإن بقي عاقلا فسوف لن يستوعب الفكرة بوضوح ، فكيف الحال قبل عدة مئات من السنين .
فإذا ضممنا إلى ذلك أمر واضح آخر ، وهو أن الإسلام إنما جعل وأسست تعاليمه الأساسية والأصلية قبل ما يزيد على ألف سنة أو قل حوالي الألف ونصف الألف من السنين ، إذن ، فحتى لو كان النبي ( ص ) والمعصومون عليهم الصلاة والسلام يعلمون بأمور المستقبل وبحوادثه وتطوراته ، كما ثبت فعلا ذلك ، إلَّا أنهم لا يستطيعون وليس من المصلحة العامة ولا الخاصة الإعلان عنه والتصريح به في المجتمع وبيانه للناس عموما ، أو جعله ضمن تعاليم دينية محددة . كإيضاح حكم السفر في الفضاء أو حكم تفجير الذرة أو حتى حكم التدخين أو الإدمان على المخدرات . فإن كل ذلك مما حصل في الزمن المتأخر والمستقبل لذلك العصر أو صدر الإسلام .
فليس من المعقول أن نجد بصراحة التعرض إلى السيارات والطائرات والدبابات والمدافع والمآكل المعلبة والكومبيوترات ولعب الأطفال المتحركة وغير ذلك كثير . وإنما يمكن التعرف على أحكام كل ذلك بما شرع الدين من قواعد عامة يمكن أن تشمل كل ظروف الحياة .
ما وراء الفقه — صفحة 135
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٣٥