وقول الشاعر :
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا
حتى يرى خبرا من الأخبار
وهذا كسابق خاص بصورة حدوث الوفاة ، مع جوابه الذي ذكرناه ولكن قد نتوسع في جهة أخرى لأن رواية القصة غير خاصة بالوفاة بل لكل شيء قصة ولكل قصاص قصة ، باعتباره حادثة ملفتة للنظر ومما يتناقلها الناس . وهذا يصدق في كل أشكال القصاص وإن لم يؤد إلى الوفاة .
فهذا هو الحديث اللغوي عن هذا اللفظ وأساسه المعنى الأول الذي ذكرناه وهو أن يفعل به مثل ما فعل به ، وعليه اصطلاح الفقهاء وبه نزل الكتاب الكريم مؤكدا على أهميته حيث قال سبحانه * ( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَلْبابِ ) * . لأنه قاطع للجريمة مع توقعه كسائر أنحاء العقوبات ، وقال في بعض الأدعية : ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته وإنما تبدأ الذنوب والجرائم من حيث حصول الأمان النفسي من العقوبة ، ومن القصاص أيضا .
والقصاص فقهيا لا يكون إلا مع الاعتداء العمدي ، وأما مع الخطأ وشبه العمد ، فتتعين الدية .
والعمد يكون بأحد أسلوبين :
الأسلوب الأول : تعمد النتيجة أو جزءها . فالأول : كما لو أراد فقأ عينه أو قطع أنفه أو كسر رجله ففعل ذلك ، والثاني : كما لو أراد أحد تلك الأمور فلم يحصل بكامله بل حصل جرح كبير مثلا ، فإن ذلك يكون متعمدا ضمنا .
الأسلوب الثاني : تعمد الأسلوب الصالح عرفا أو عقلا لإحداث النتيجة وحصولها . وهذا يختلف باختلاف الآلة المستعملة وسرعة الضربة وغير ذلك . فإن كان كل ذلك مما يحدث الجناية الحاصلة عادة فهو عمد وإن لم تكن النتيجة نفسها المقصودة ، كالأسلوب الأول .