الامر كذلك في كل مكان وعند سائر الناس أعني أن عليهم الامر بالمعروف والنهي
عن المنكر . وتغيير المنكر واجب على كل فرد : بلسانه ويده وهذا المبدأ مبدأ
إسلامي عام ولكن تحقيقه بمناسبة وغير مناسبة كان علامة دالة على الخوارج .
ولكن واجب الفرد في نصرة الله إذا خولف عن أمره يؤدي إلى تصادم مع السلطة
الحاكمة . ومن هنا فإن السلطة الحاكمة الدينية - ليست وحدها بل هي على
الأخص - تعاني من تناقض داخلها . لا سلطان على البشر إلا لله ففكرة الملك
إذن تتنافى مع إرادة الله وليس لاحد قبل غيره حقوق تتصل بشخصه وتكون وراثية
في أبنائه وأهله . لا تكون السلطة شرعية إلا إذا كانت وطالما كانت تحكم باسم
الله ووفق مشيئته فهي إذن تخضع للدين ولنقد الدين ( أي للنقد الذي يوجه إليها
باسم الدين ) . ذلك هو القطب السالب للحكومة الدينية بيد أن لها قطبا موجبا
كذلك . فهي تقيم ( الجماعة ) جماعة المسلمين كلهم في هيئة منظمة يسودها
السلام والاتحاد تنتفي عنها الفوضى وفي هذا السبيل تضع على رأسها ( إماما )
يرمز ويعبر عن وحدة الأمة الاسلامية وأول الأئمة هو النبي ( محمد ) المبعوث
من ( 1 ) الله ثم الخليفة الذي يخلف الرسول وهذا الخليفة هو أيضا ذو سطان
مقدس ( وإن كان ذلك بطريقة فرعية لا أصلية ) ينتقل منه أيضا إلى الولاة والعمال
الذين يوليهم وفي هذا التعارض بين ( الدين ) و ( الجماعة ) بين واجب أن
يضع الانسان الله والحق فوق كل شئ - وواجب الخضوع لامر الجماعة وإطاعة
الامام - نقول في هذا التعارض يقف الخوارج في صف الدين بكل قوة . وفي
فهمهم لماهية الدين يختلفون عن سائر الناس كذلك مثارات شكواهم مشابهة
لمثارات شكوى سائر الناس ( 2 ) . وإنما يمتازون عن غيرهم بشدتهم في تقديم الدين
على أي اعتبار آخر وتصلبهم بحيث لا يقبلون أدنى تساهل في أمر الدين . فلا
جماعة ( أي دولة ) على حساب الدين إذ الجماعة ( الدولة ) إنما تصان بالعادة
والنظام الظاهري وتتضمن الطيب والخبيث ! ولا يعترف الخوارج بالجماعة ( الدولة )
هامش
( 1 ) [ المترجم : الترجمة الحرفية للنص هنا تقتضي : ( النبي بوصفه الوكيل المطلق السلطان
عن الله ] .
( 2 ) ( الطبري ) ( ص / 984 س 8 ) وما يليه ( الأغاني ) ( 20 / 104 ص / 17 ) وما
يليه ( ص / 106 س 7 - س 22 ص / 107 س 7 ) .