عما يفعل ) ولكل من الجانبين المتضادين - في نظر المنهج العلمي الحديث -
وجهة هو موليها
ويلحق بهذا القدر قول المؤلف في ( القضاء والقدر ) وهل الإنسان
مسير أم مخير ؟ أو على حد تعبير الإمامية : هل الإنسان مجبر أو مفوض ؟
وهذا المبحث وإن كان شديد الارتباط بفلسفة العدل الإلهي التي شابهم
فيها المعتزلة ، إلا أننا نلحظ على الإمامية في هذا المقام أنهم يسلكون مسلكا
آخر ، مسلكا وسطا فلا يقولون بالجبر المطلق الذي قال به فريق الجبريين ،
الملقبين بالجهنمية ، كما أنهم لا يقولون بالتفويض المطلق الذي قال به فريق
( المفوضين ) الملقبين بالقدرية من المعتزلة
أما عن عدم قولهم بمقالة الجبريين فلأن القول بالجبر ينفي عن الإنسان
الإرادة والاختيار أصالة ويجعله لعبة في يد الأقدار ، أو كالريشة في مهب
الرياح وإذا كان كذلك صار حساب الله له - في عرضهم - عما يرتكبه
من خطأ ظلما فاحشا لأنه لا سلطان له حينئذ في اختياره ، ولا إرادة له تمنعه
من الوقوع في ذلك الخطأ ، فهم ينكرون هذا الجبر لأنه ينفي عن الله صفة
العدل ، وفي هذا يقول الشاعر معبرا عن ذلك :
ألقاء في اليم مكتوفا وقال له * إياك إياك أن تبتل بالماء -
وأما عن تركهم رأي القائلين بالتفويض المطلق ، والاختيار المطلق
فلأنه يجعل المرء في أفعاله وأقواله مستقلا عن إرادة الله وقدرته ، فهو
- في نظرهم - رأي المفوضين والقدريين الذين يقولون إن الإنسان يخلق أفعال
نفسه دون تدخل لقدرة الله في هذا الفعل
نظرات في الكتب الخالدة — صفحة 37
مساهمون: حامد حفني داود
ص٣٧