وليلة أذوا في الحجيج إلى منى * وفت لي المنى منها بما شئت من قصد
تقضيت منها فوق ما أحسب المنى * وبرد عفاف صانه الله من برد
وليس سوى لحظ خفى بحيلة * وشكوى كما ارفض الجمان من العقد
غفرت لدهري بعدها كل ما جنى * سوى ما جشى وفد المشيب على فودى
عرفت بهذا الشيب فضل شبيبتي * وما زال فضل الضد يعرف بالضد
ومن نال من ليل الشباب ضلالة * سيوقظه صبح المشيب إلى الرشد
أما والهوى ما حدت عن سنن الهدى * ولا جرت في طرق الصبابة عن قصد
تجاوزت حد العاشقين الأولى مضوا * وأقفر ربع القلب الامن الوجد
إليك أبا زيد شكاة رفعتها * وما أنت من عمر ولدى ولا زيد
بعيشك خبرني وما زلت مفضلا * أعندك من شوق كمثل الذي عندي
فكم ثار بي شوق إليك مبرح * فظلت يد الأشواق تقدح من زندي
وصفق حتى الريح في لمم الربى * وأشفق حتى الطفل في كبد المهد
يقابلني منك الصباح بوجنة * حكى شفقا فيه الحياء الذي تبدى
وتوهمني الشمس المنيرة غرة * بوجهك صان الله وجهك عن رد
محياك أجلى في العيون من الضحى * وذكرك أحلى في الشفاه من الشهد
وما أنت الا الشمس في علو أفقها * نفديك من قرب وتلحظ من بعد
وفى غمة من لا ترى الشمس عينه * وما نفع نور الشمس في الأعين الرمد
من القوم صانوا المجد صون عيونهم * كما قد أباحوا المال ينهب للرفد
إذا ازدحموا يوما على الماء أسوة * فما ازدحموا الأعلى مورد المجد
ومهما أغاروا منجدين صريخهم * يشبون نار الحرب في الغور والنجد
ولم يقتنوا بعد الثناء ذخيرة * سوى الصارم المصقول والصافن النهد
وما اقتسم الأنفال الا ممدح * ملأها بأعراف المطهمة الجرد
أتنسى ولا تنسى ليالينا التي * خلسنا بها العينين من جنة الخلد
ركبنا إلى اللذات في طلق الصبا * مطايا الليالي وادعين إلى حد
فإن لم ندر فيها الكؤوس فإننا * وردنا بها للانس مستعذب الورد
لقيتك في غرب وأنت رئيسه * وبابك للاعلام مجتمع الوفد
فآنست حتى ما شكوت بغربة * وواليت حتى لم أجد مضض الفقد
وعدت لقطري شاكرا ما بلونه * من الخلق المحمود والحسب العد
إلى أن أجزت البحر يا بحر نحونا * وزرت مزار الغيث في عقب الجهد
تاريخ ابن خلدون — صفحة 457
مساهمون: ابن خلدون
ص٤٥٧