لعن الله صنعة الشعر ماذا * من صنوف الجهال منه لقينا
يؤثرون الغريب منه على ما * كان سهلا للسامعين مبينا
ويرون المحال معنى صحيحا * وخسيس الكلام شيئا ثمينا
يجهلون الصواب منه ولا يدم * رون للجهل أنهم يجهلونا
فهم عند من سوانا يلامون * وفي الحق عندنا يعذرونا
إنما الشعر ما يناسب في النظم م * وإن كان في الصفات فنونا
فاتى بعضه يشاكل بعضا * وأقامت له الصدور المتونا
كل معنى أتاك منه على ما * تتمنى ولم يكن أن يكونا
فتناهى من البيان إلى أن * كاد حسنا يبين للناظرينا
فكأن الألفاظ منه وجوه * والمعاني ركبن فيها عيونا
إنما في المرام حسب الأماني * يتحلى بحسنه المنشدونا
فإذا ما مدحت بالشعر حرا * رمت فيه مذاهب المشتهينا
فجعلت النسيب سهلا قريبا * وجعلت المديح صدقا مبينا
وتنكبت ما يهجن في السمع م * وإن كان لفظه موزونا
وإذا ما عرضته بهجاء * عبت فيه مذاهب المرقبينا
فجعلت التصريح منه دواء * وجعلت التعريض داء دفينا
وإذا ما بكيت فيه على العامدين * يوما للبين والظاعنينا
حلت دون الأسى وذللت ما كا م * ن من الدمع في العيون مصونا
ثم إن كنت عاتبا جئت * بالوعد وعيدا وبالصعوبة بينا
فتركت الذي عتبت عليه * حذرا آمنا عزيزا مهينا
وأصح القريض ما قارب النظم م * وإن كان واضحا مستبينا
فإذا قيل أطمع الناس طرا * وإذا ريم أعجز المعجزينا
ومن ذلك أيضا قول بعضهم
الشعر ما قومت ربع صدوره * وشددت بالتهذيب أس متونه
ورأيت بالأطناب شعب صدوعه * وفتحت بالايجاز عور عيونه
تاريخ ابن خلدون — صفحة 576
مساهمون: ابن خلدون
ص٥٧٦