والآثار * ثم إن أكثر التواريخ لهؤلاء عامة المناهج والمسالك * لعموم الدولتين
صدر الاسلام في الآفاق والممالك * وتناولها البعيد من الغايات في المآخذ والمتارك
ومن هؤلاء من استوعب ما قبل الملة من الدول والأمم * والامر العمم * كالمسعودي
ومن نحا منحاه وجاء من بعدهم من عدل عن الاطلاق إلى التقييد ووقف في العموم
والإحاطة عن الشأو البعيد * فقيد شوارد عصره * واستوعب أخبار أفقه وقطره *
واقتصر على تاريخ دولته ومصره * كما فعل أبو حيان مؤرخ الأندلس والدولة الأموية
بها وابن الرفيق مؤرخ أفريقية والدولة التي كانت بالقيروان ثم لم يأت من بعد
هؤلاء إلا مقلد * وبليد الطبع والعقل أو متبلد * ينسج على ذلك المنوال * ويحتذي
منه بالمثال * ويذهل عما أحالته الأيام من الأحوال * واستبدلت به من عوائد الأمم
والأجيال * فيجلبون الاخبار عن الدول * وحكايات الوقائع في العصور الأول * صورا
قد تجردت عن موادها * وصفاحا انتضيت من أغمادها * ومعارف تستنكر للجهل
بطارفها وتلادها * إنما هي حوادث لم تعلم أصولها * وأنواع لم تعتبر أجناسها ولا تحققت
فصولها * يكررون في موضوعاتها الاخبار المتداولة بأعيانها * اتباعا لمن عني من
المتقدمين بشأنها * ويغفلون أمر الأجيال الناشئة في ديوانها * بما أعوز عليهم من
ترجمانها * فتستعجم صحفهم عن بيانها * ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسقوا أخبارها نسقا *
محافظين على نقلها وهما أو صدقا * لا يتعرضون لبدايتها * ولا يذكرون السبب الذي
رفع من رايتها * وأظهر من آيتها * ولا علة الوقوف عند غايتها * فيبقى الناظر متطلعا بعد
إلى افتقاد أحوال مبادئ الدول ومراتبها * مفتشا عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها *
باحثا عن المقنع في تباينها أو تناسبها * حسبما نذكر ذلك كله في مقدمة الكتاب
ثم جاء آخرون بإفراط الاختصار * وذهبوا إلى الاكتفاء بأسماء الملوك والاقتصار *
مقطوعة عن الأنساب والاخبار * موضوعة عليها أعداد أيامهم بحروف الغبار * كما فعله
ابن رشيق في ميزان العمل * ومن اقتفى هذا الأثر من الهمل * وليس يعتبر لهؤلاء
مقال * ولا يعد لهم ثبوت ولا انتقال * لما أذهبوا من الفوائد * وأخلوا بالمذاهب
المعروفة للمؤرخين والعوائد
ولما طالعت كتب القوم * وسبرت غور الأمس واليوم * نبهت عين القريحة من
تاريخ ابن خلدون — صفحة 5
مساهمون: ابن خلدون
ص٥