فتحصّل من ذلك : أنّ دلالة الآية الكريمة بالنسبة إلى المشركين تامّة .
وأمّا بالنسبة إلى الذمّي :
فقد يقال بانسلاكه فيهم " 1 " ؛ لقوله تعالى * ( وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله ) * . . إلى قوله * ( سُبْحانَه عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * " 2 " .
وفيه : أنّ تلك الآية مسبوقة بأُخرى ؛ وهي * ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ الله والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِله إِلَّا هُوَ سُبْحانَه عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * .
والمراد باتخاذهم أرباباً ليس ما هو ظاهرها ؛ لعدم قولهم بألوهيتهم ، ففي " مجمع البيان " عن الثعلبي ، عن عدي بن حاتم في حديث قال : انتهيت إليه أي إلى رسول الله ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية * ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ ) * . . حتّى فرغ منها ، فقلت له : لسنا نعبدهم ، فقال
أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ، ويحلَّون ما حرّم الله فتستحلَّونه ؟
قال قلت : بلى ، قال
فتلك عبادتهم " 3 " .
وقريب منها في رواياتنا " 4 " ، فعليه لا يكون الشرك بمعناه الحقيقي .
إلَّا أن يقول النصارى : بأنّ المسيح الله ، كما قال تعالى * ( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ ) * " 5 " .
وقال تعالى في الآية المتقدّمة * ( والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) * ولم ينفه
هامش
" 1 " الحدائق الناضرة 5 : 166 .
" 2 " التوبة ( 9 ) : 30 31 .
" 3 " مجمع البيان 5 : 37 .
" 4 " تفسير العيّاشي 2 : 86 87 ، مجمع البيان 5 : 37 .
" 5 " المائدة ( 5 ) : 116 .