ومما ذكرنا في بيان أقسام النهي في العبادة ، يظهر حال الأقسام في
المعاملة ، فلا يكون بيانها على حدة بمهم ، كما أن تفصيل الأقوال في الدلالة على
الفساد وعدمها ، التي ربما تزيد على العشرة - على ما قيل ( 1 ) - كذلك ، إنما المهم
بيان ما هو الحق في المسألة ، ولا بد في تحقيقه على نحو يظهر الحال في الأقوال ،
من بسط المقال في مقامين :
الأول في العبادات : فنقول وعلى الله الاتكال : إن النهي المتعلق
بالعبادة بنفسها ، ولو كانت جزء عبادة بما هو عبادة - كما عرفت - مقتض ( 2 )
لفسادها ، لدلالته على حرمتها ذاتا ، ولا يكاد يمكن اجتماع الصحة بمعنى
موافقة الامر أو الشريعة مع الحرمة ، وكذا بمعنى سقوط الإعادة ، فإنه مترتب
على إتيانها بقصد القربة ، وكانت مما يصلح لان يتقرب به ( 3 ) ، ومع الحرمة
لا تكاد تصلح لذلك ، ويتأتى قصدها من الملتفت إلى حرمتها ، كما لا يخفى .
لا يقال : هذا لو كان النهي عنها دالا على الحرمة الذاتية ، ولا يكاد
يتصف بها العبادة ، لعدم الحرمة بدون قصد القربة ، وعدم القدرة عليها مع
قصد القربة بها إلا تشريعا ، ومعه تكون محرمة بالحرمة التشريعية لا محالة ،
ومعه لا تتصف بحرمة أخرى ، لامتناع اجتماع المثلين كالضدين .
فإنه يقال : لا ضير في اتصاف ما يقع عبادة - لو كان مأمورا به - بالحرمة
الذاتية ، مثلا صوم العيدين كان عبادة منهيا عنها ، بمعنى أنه لو أمر به كان
عبادة ، لا يسقط الامر به إلا إذا أتى به بقصد القربة ، كصوم سائر الأيام ،
هذا فيما إذا لم يكن ذاتا عبادة ، كالسجود لله تعالى ونحوه ، وإلا كان محرما مع
هامش
( 1 ) مطارح الأنظار / 162 ، في الهداية الثانية من القول في اقتضاء النهي للفساد .
( 2 ) في " أو ب " : مقتضى .
( 3 ) هكذا في " أو ب " : وفي بعض النسخ المطبوعة " بها " .