بحرام بلا كلام ، إلا أنه إذا لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار ، بأن يختار ما
يؤدي إليه لا محالة ، فإن الخطاب بالزجر عنه حينئذ ، وإن كان ساقطا ، إلا أنه
حيث يصدر عنه مبغوضا عليه وعصيانا لذاك الخطاب ومستحقا عليه العقاب ،
لا يصلح لان يتعلق بها الايجاب ، وهذا في الجملة مما لا شبهة فيه ولا ارتياب .
وإنما الاشكال فيما إذا كان ما اضطر إليه بسوء اختياره ، مما ينحصر به
التخلص عن محذور الحرام ، كالخروج عن الدار المغصوبة فيما إذا توسطها
بالاختيار في كونه منهيا عنه ، أو مأمورا به ، مع جريان حكم المعصية عليه ، أو
بدونه ، فيه أقوال ، هذا على الامتناع .
وأما على القول بالجواز ، فعن أبي هاشم ( 1 ) أنه مأمور به ومنهي عنه ،
واختاره الفاضل القمي ( 2 ) ، ناسبا له إلى أكثر المتأخرين وظاهر الفقهاء .
والحق أنه منهي عنه بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرار إليه ،
وعصيان له بسوء الاختيار ، ولا يكاد يكون مأمورا به ، كما إذا لم يكن هناك
توقف ( 3 ) عليه ، أو بلا انحصار به ، وذلك ضرورة أنه حيث كان قادرا على ترك
هامش
( 1 ) راجع شرح مختصر الأصول / 94 .
هو أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي ، ولد عام 247 ه من أبناء ابان مولى عثمان ،
عالم بالكلام ، من كبار المعتزلة ، له آراء انفرد بها وتبعته فرقة سميت " البهشمية " نسبة إلى كنيته أبي هاشم وله
مصنفات منها : " الشامل " في الفقه و " تذكرة العالم " و " العدة " في الأصول مات سنة 321 ه . " الأعلام للزركلي
4 / 7 " .
( 2 ) قوانين الأصول 1 / 153 ، في التنبيه الثاني ، من قانون دلالة النهي على الفساد .
( 3 ) لا يخفى إنه لا توقف ها هنا حقيقة ، بداهة أن الخروج إنما هو مقدمة للكون في خارج الدار ، لا مقدمة لترك الكون
فيها الواجب ، لكونه ترك الحرام ، نعم بينهما ملازمة لأجل التضاد بين الكونين ، ووضوح الملازمة بين وجود
الشئ وعدم ضده ، فيجب الكون في خارج الدار عرضا ، لوجوب ملازمه حقيقة ، فيجب مقدمته كذلك ،
وهذا هو الوجه في المماشاة والجري على أن مثل الخروج يكون مقدمة لما هو الواجب من ترك الحرام ، فافهم .
( منه قدس سره ) .