وقال أبو إسحاق الإسفرايني ( 1 ) من الأشاعرة : إن الفعل واقع بمجموع
القدرتين .
والمصنف التجأ إلى الضرورة هاهنا ، فإنا نعلم بالضرورة الفرق بين حركة
الحيوان اختيارا وبين حركة الحجر الهابط ، ومنشأ الفرق هو اقتران القدرة في
أحد الفعلين به وعدمه في الآخر .
قال : والوجوب للداعي ( 2 ) لا ينافي القدرة كالواجب .
أقول : لما فرغ من تقرير المذهب شرع في الجواب عن شبه الخصم .
وتقرير الشبهة الأولى : أن صدور الفعل من المكلف إما أن يقارن تجويز لا
صدوره أو امتناع لا صدوره ، والثاني يستلزم الجبر ، والأول إما أن يترجح منه
الصدور على لا صدوره لمرجح أو لا لمرجح ، والثاني يلزم منه الترجيح لأحد
طرفي الممكن من غير مرجح وهو محال ، والأول يستلزم
هامش
( 1 ) وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ، الذي أخذ عنه عامة شيوخ نيسابور ، وهو أحد الأقطاب
لتبيين مذهب الأشعري بعد الباقلاني ( ت 403 ه ) وابن فورك ( 406 ه ) . ( توفي أبو إسحاق عام
481 ه ) .
( 2 ) المسألة السادسة وما تفرع عليها راجعة إلى مسألة الجبر والاختيار ، وحاصل استدلال المجبرة
أن الفعل الممكن الذي يجوز صدوره ولا صدوره عن الإنسان لا يخرج عن الاستواء إلا بداع يجره
إلى اختيار الطرفين ، وهو إما أن لا ينتهي ويكون للداع داع وهكذا ، أو ينتهي ، والأول محال ، فتعين
الثاني وهو يضفي على الفعل وصف الوجوب .
والجواب ما ذكره من أن الوجوب اللاحق لا ينافي الإمكان والاختيار وأن قولهم : " الشئ ما لم يجب
لم يوجد " لا ينافي كون الفاعل مختارا إذ هو الذي يعطي للفعل الوجوب عن اختيار . ولنا في
تفسير عبارة الماتن نظر آخر أوردناه في الإلهيات ج 2 / 299 فلاحظ .