تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ( قسم الإلهيات ) ( تحقيق السبحاني ) — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
الثانية : قالوا : لو قال الإنسان لأكذبن غدا فإن حسن منه الصدق بإيفاء الوعد ( 1 ) لزم حسن الكذب ، وإن قبح كان الصدق قبيحا فيحسن الكذب . والجواب فيهما واحد ، وذلك لأن تخليص النبي أرجح ( 2 ) من الصدق ، فيكون تركه أقبح من الكذب ، فيجب ارتكاب أدنى القبيحين وهو الكذب لاشتماله على المصلحة العظيمة الراجحة على الصدق . وأيضا يجب عليه ترك الكذب في غد ( 3 ) لأنه إذا كذب في الغد فعل شيئا فيه جهتا قبح وهو العزم على الكذب وفعله ، ووجها واحدا من وجوه الحسن وهو الصدق ، وإذا ترك الكذب يكون قد ترك تتمة العزم والكذب وهما وجها حسن ، وفعل وجها واحدا من وجوه القبح وهو الكذب .
هامش
( 1 ) توضيح الاستدلال : أنه إذا قال إنسان لأكذبن غدا يلزم حسن أحد الكذبين : لأنه إن حسن العمل بوعده يجب عليه أن يكذب غدا ، فيكون هذا الكذب المحقق للعمل بالوعد الحسن ، حسنا أيضا . وإن قبح العمل بالوعد ، وبالتالي يلزم عليه - إن أخبر - أن يخبر خبرا صادقا ، فما أخبر به وإن كان بذاته صادقا لكنه بالقياس إلى ما وعده كاذب والمخاطب يتصور أنه خبر كاذب ، وإنما يكون صادقا لو أخبر بخبر كاذب لا ما إذا أخبر بخبر صادق ، ولو أخبر عن صدق يعد كاذبا بالنسبة إلى ما وعد . وإلى هذا الشق أشار بقوله : " وإن قبح كان الصدق قبيحا ، فيحسن الكذب " . ومراده من الصدق هو الإخبار عن كذب ، كما أن مراده من الكذب هو الإخبار عن صدق ، الذي يعد بالنسبة إلى ما وعد خبرا كاذبا . ( 2 ) هذا توضيح لكون الكذب في القضية الأولى من باب ارتكاب أدنى القبيحين . ( 3 ) بيان لكون الصدق في غد ارتكاب لأقل القبيحين ، بخلاف الكذب فإنه ارتكاب للقبيحين ، إلى هنا تم الجواب الأول عن كلتا الشبهتين .