إمكان عدم الميل ولم يجعل له عقلا يميز به حسن الألم من قبحه ولم يزجره
بشئ من أسباب الزجر مع إمكان ذلك كله ، فكان ذلك بمنزلة الإغراء ، فلولا
تكفله تعالى بالعوض لقبح منه ذلك .
واحتج الآخرون ( 1 ) : بقوله عليه السلام : إن الله تعالى ينتصف للجماء من
القرناء .
واحتج النافون للعوض : بقوله عليه السلام : جرح العجماء جبار .
واحتج القاضي بأن التمكين ( 2 ) لا يقتضي انتقال العوض من الفاعل إلى
الممكن وإلا لوجب عوض القتل على صانع السيف ، بخلاف الإلجاء
هامش
( 1 ) المقصود هو القول الثاني الذي أشار إليه بقوله : " إن العوض على فاعل الألم " ، مستدلا بأنه
سبحانه ينتصف للجماء ( ضد القرناء ) من القرناء ، ولا يخفى أنه لو صح الحديث يكون معناه أنه
ينتقم الله لها من القرناء ، لا أن العوض على فاعل الألم وأنه سبحانه ينقل أعواض القرناء إليها كما
هو المدعى .
والمراد من القول الثالث عدم العوض مطلقا مستدلا بما روى : " جرح العجماء جبار " ( 1 ) ، وقد استدل
بها الفقهاء على عدم الضمان لصاحبها ، وأين هو من الدلالة على كون العوض على الحيوان أو
على خالقه ؟
-
1 - أحمد بن حنبل : المسند : 5 / 326 والجبار هو الهدر الذي لا يغرم .
( 2 ) لا يخفى أن ما ذكره القاضي من الفرق بين التمكين والإلجاء وإن كان متينا ، لكن القسم الأول
منتف في الحيوان الذي هو المحور للبحث ، فإن الافتراس أمر غريزي للسبع مطلقا بلا استثناء .
وأما قوله : " بأن العوض لو كان عليه تعالى لما حسن منعها عن الأكل " فمعناه : إذا كان العوض على الله
فلماذا نمنع السباع عن أكل الإنسان بعد افتراسه ، فإن مقتضى المعاوضة فسح المجال لها ولو في
هذا الحد ، وأجاب الشارح بأن هنا وجها للمنع وهو التحفظ على كرامة الإنسان ولو بأجزائه
المتفككة .