الفصل الثاني
في صفاته تعالى
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في أنه تعالى قادر ( 1 )
قال : الثاني في صفاته . وجود العالم بعد عدمه ينفي الإيجاب .
أقول : لما فرغ من البحث عن الدلالة على وجود الصانع تعالى شرع في
الاستدلال على صفاته تعالى ، وابتدأ بالقدرة .
هامش
( 1 ) المقصود من القدرة هنا هو كونه فاعلا مختارا ، لا فاعلا موجبا كالنار بالنسبة إلى الحرارة ،
والذي يركز عليه هنا في تفسير القدرة هو كونه فاعلا بالاختيار . وأما الاستدلال على القدرة بإتقان
فعله سبحانه فهو يهدف إلى كونه فاعلا عن علم وحكمة ، فلا يشتبه الغرضان في البحث .
والمقام أحد المواقف التي يفترق فيها التفكير الكلامي عن التفكير الفلسفي وإن لم يصرح به الماتن
والشارح ، والإشكالات التي يذب عنها الماتن ، للحكماء كما سيوافيك ، وإليك بيان التفكيرين
في المقام :
عرف المتكلمون القدرة بصحة الفعل والترك ( 1 ) ، وإن شئت قلت : إمكان الفعل والترك وكون نسبتها
إليه على السواء .
وأورد عليه : بأن هذا التعريف يصلح لتفسير القدرة في الوجود الإمكاني كالإنسان ، ولا يصح تفسير
قدرته سبحانه به ، لأن هذا الإمكان ليس قائما بذات الشئ ( المقدور )
-
1 - الإلهيات : 1 / 134 .
لأنه في حد ذاته ممكن بلا كلام وإنما هو قائم بالقادر ، فلو أريد منه : الإمكان الماهوي لزم اتصافه
سبحانه بالماهية وهو أرفع من أن يكون له ماهية ، وإن أريد : الإمكان الاستعدادي لزم أن يكون ذاته
محلا للتغير لوجود الإمكان الاستعدادي .
وقد ذكرنا في الإلهيات ( 1 ) ما يصلح جوابا للإشكال .
ويمكن أن يقال عاجلا : ليس المراد منه أحد الإمكانين بل المراد هو المعنى الثالث ، وهو الإمكان
الصدوري ، ويعلم مفاده إذا قيس الأثر إلى مؤثره ، فلا يخلو أن نسبته إليه إما بالإيجاب ، أو
بالامتناع ، أو لا هذا ولا ذاك ، والحاصل أن الفاعل إذا كان مقيدا بإحدى النسبتين ، لا يسمى قادرا
بالنسبة إلى الفعل والترك ، والقادر هو المتجرد عن النسبتين ، وتفسير القدرة به لا يستلزم
المحذورين المتقدمين .
وعرفها الحكماء بأن قدرته تعالى هي كونه إذا شاء فعل ولو لم يشأ لم يفعل ( 2 ) ، ولو اقتصر في
تعريف القدرة بهذا القدر لم يتوجه إشكال ، فيكون معناه : إن القادر هو غير المجبور على أحد
الطرفين ، لكن ربما يضاف إليه ويقال : " ولكنه شاء وفعل " ، فتجعل الشرطية الأولى واجبة التحقق
أزلا وأبدا ، وهذا يعطي كونه فاعلا موجبا ، خصوصا إذا قلنا : إن مشيئته وإرادته قديمة ، فيصبح عدم
العالم أمرا ممتنعا ، بل واجب التحقق بالقياس إلى مشيئته القديمة ، وهذا هو الذي جر المتكلمين
لاتهام الحكماء بأنه سبحانه عندهم فاعل موجب ( بالفتح ) ، والحكماء وإن كانوا محترزين عن
وصف الله سبحانه بكونه فاعلا موجبا ، بل يقولون : إنه فاعل موجب ( بالكسر ) فهو يعطي للفعل
وصف الوجوب ، لكن بالنظر إلى قولهم : " ولكنه شاء وفعل " وقولهم بالمشيئة القديمة والإرادة
الذاتية يكون سبحانه فاعلا موجبا أي غير مختار .
هذا ما يرجع إلى بيان موقف المسألة بين المتكلمين والحكماء ، وأما الدفاع عن أحد المنهجين فهو
خارج عن وضع التعليقة ، وقد استدل الماتن على قدرته ( اختياره ) بحدوث العالم زمانا أو ذاتا ،
على وجه يكون هناك انفكاك بين الذات والعالم ، وهو دليل الاختيار .
-
1 - الإلهيات : 1 / 134 .
2 - الحكيم السبزواري : شرح المنظومة : 172 .