رفعه ، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : إن من أبغض الخلق إلى الله عز وجل
لرجلين : رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل ، مشعوف ( 1 ) بكلام
بدعة ، قد لهج بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن به ، ضال عن هدي من كان قبله ( 2 ) ،
مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد موته ، حمال خطايا غيره ، رهن بخطيئته .
ورجل قمش رجلا في جهال الناس ، عان ( 3 ) بأغباش الفتنة ، قد سماه أشباه
الناس عالما ولم يغن ( 4 ) فيه يوما سالما ، بكر ( 5 ) فاستكثر ، ما قل منه خير مما كثر ، حتى إذا
ارتوى من آجن ( 6 ) واكتنز من غير طائل ( 7 ) جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص
ما التبس على غيره ، وإن خالف قاضيا سبقه ، لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده ، كفعله
بمن كان قبله ، وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا من رأيه ، ثم
قطع به ، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ ، لا يحسب
العلم في شئ مما أنكر ، ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبا ، إن قاس شيئا بشئ لم يكذب
نظره وإن أظلم عليه أمر اكتتم به ، لما يعلم من جهل نفسه ، لكيلا يقال له : لا يعلم ، ثم
جسر فقضى ، فهو مفتاح عشوات ( 8 ) ، ركاب شبهات ، خباط جهالات ، لا يعتذر مما لا يعلم
فيسلم ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم ، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم ( 9 )
هامش
( 1 ) في بعض النسخ بالغين المعجمة وفي بعضها بالمهملة وبهما قرء قوله تعالى : " قد شغفها حبا "
وعلى الأول معناه : دخل حب كلام البدعة شغاف قلبه أي حجابه وقيل سويداء ه وعلى الثاني غلبه
حبه وأحرقه فان الشعف بالمهملة شدة الحب واحراقه القلب . ( آ ت )
( 2 ) بفتح الهاء وسكون المهملة أي السيرة والطريقة .
( 3 ) كذا في أكثر النسخ من قولهم عنى فيهم أسيرا أي أقام فيهم على اسارة واحتبس وعناه غيره
حبسه والعاني : الأسير ، أو من عنى بالكسر بمعنى تعب ، أو من عنى به فهو عان أي اهتم به واشتغل وفي
بعض النسخ بالغين المعجمة من الغنى بالمكان كرضى اي : أقام به ، أو من غنى بالكسر أيضا بمعنى عاش .
والغبش بالتحريك ظلمة آخر الليل . ( آ ت ) .
( 4 ) أي لم يلبث يوما تاما .
( 5 ) أي خرج للطلب بكرة وهي كناية عن شدة طلبه واهتمامه في كل يوم أو في أول العمر إلى
جمع الشبهات والآراء الباطلة .
( 6 ) أي شرب حتى ارتوى ، والأجن : الماء المتغير المتعفن .
( 7 ) أي عد ما جمعه كنزا وهو غير طائل . أي ما لا نفع فيه .
( 8 ) العشوة : الظلمة أي يفتح على الناس ظلمات الشبهات ، والخبط المشي على غير استواء .
( 9 ) أي كما أن الريح في حمل الهشيم وتبديده لا تبالي بتمزيقه واختلال نسقه كذلك هذا الجاهل
تفعل بالروايات ما تفعل الريح بالهشيم ، والهشيم ما يبس من النبت وتفتت .