وهذا المنهج " الواقعي " القائم على النزاهة الفكرية والحرية العقلية هو الآن منهج
عالمي ، يدين به الجميع للقرآن وأصول الفكر الإسلامي على ما سنرى بعد ( 1 )
ففي حين استخلص علماء العالم القديم من اليونان " نظريات " عمموها
ليخضعوا لها نتائج الاستنباط ، وفرضت سيادة الفكر الارستطاليسي على
العقل في أوربة منطق النظريات والعمومات ، وقاومت الكنيسة في تاريخها القديم
حرية التفكير ، نرى القرآن ينبه " العقل " على الاعتبار بالمحسوس التي يتمثل في
" الواقع " وأن يرفض الاستسلام للعمومات التي تحكم مقدما أي أمر واقع . ويرشد
الإنسان إلى استعمال فكره " بحرية " من أي قيد .
بل نرى الإمام الصادق يعتبر " التقليد " مذلة عقلية " واستعبادا للنفس " ،
ويحاجج في ذلك حجاج القرآن ، ويفسره تفسيره الرائع .
عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق في معنى ( اتخذوا أحبارهم
ورهبانهم أربابا من دون الله ) قال ( أما والله ما دعوهم إلى عبادة ، ولو دعوهم
ما أجابوهم . ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا . فعبدوهم من
حيث لا يشعرون ) . وفي تعبير آخر يقول : عن أبي بصير عن أبي عبد الله
الصادق : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال ( والله ما صاموا لهم
ولا صلوا . لكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فاتبعوهم ) . فالاتباع
دون فهم ، في الحلال والحرام ، أو غيرهما ، ترك لزمام النفس في قبضة
هامش
( 1 ) والارتباط بين فروع المعرفة أحد " الأساسيات " العلمية ، وهي جميعا تستعمل الطريقة
التجريبية وتلتزم حقائق الحياة الواقعة وقوانين الكون التي لا تتخلف ولا تدع مجالا للفراغ أو المجازفة
أو الصدفة . كل شئ بمقدار . وكل أمر موزون - في الإنسان والحيوان والنبات والجماد .
وفيما بينها . وفي العلوم الطبيعية والرياضية وفي العلوم الاجتماعية والإنسانية . والعلميون يستعملون
مقولات : الوحدة والتفاضل والتكامل . واطراد العلل والنتائج . والآخرون يستعملون مقولات
الوحدة ، والتناسب والتناسق ، والتزاوج والانسجام ، في الأشياء والأشكال والألوان والأحجام .
ويستوى في ذلك الذين يلتزمون بالدين أو الذي يلتزمون بإنكاره .
ومن الموضوعية " سلطان الإرادة " الإنسانية في التعاقد ، أي حريتها ، مع تقيدها بالقانون
الذي يجتمع عليه الناس . وهذا مظهر الحرية الشخصية والفكرية التي أتاحها الله لعباده وأمرهم
أن يستعملوها لأنها وسيلة للحياة الكريمة وللتقدم . وهو معلم من معالم السبق التشريعي الإسلامي .