يقول تعالى ذكره : وأي عبد أضل من عبد يدعو من دون الله آلهة لا تستجيب له إلى
يوم القيامة : يقول : لا تجيب دعاءه أبدا ، لأنها حجر أو خشب أو نحو ذلك .
وقوله : وهم عن دعائهم غافلون يقول تعالى ذكره : وآلهتهم التي يدعونهم عن
دعائهم إياهم في غفلة ، لأنها لا تسمع ولا تنطق ، ولا تعقل . وإنما عنى بوصفها بالغفلة ،
تمثيلها بالإنسان الساهي عما يقال له ، إذ كانت لا تفهم مما يقال لها شيئا ، كما لا يفهم
الغافل عن الشئ ما غفل عنه . وإنما هذا توبيخ من الله لهؤلاء المشركين لسوء رأيهم ، وقبح
اختيارهم في عبادتهم ، من لا يعقل شيئا ولا يفهم ، وتركهم عبادة من جميع ما بهم من
نعمته ، ومن به استغاثتهم عندما ينزل بهم من الحوائج والمصائب . وقيل : من لا يستجيب
له ، فأخرج ذكر الآلهة وهي جماد مخرج ذكر بني آدم ، ومن له الاختيار والتمييز ، إذ كانت
قد مثلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تخدم في خدمتهم إياها ، فأجرى الكلام في ذلك
على نحو ما كان جاريا فيه عندهم . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين * وإذا تتلى عليهم آياتنا
بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين ) * .
يقول تعالى ذكره : وإذا جمع الناس يوم القيامة لموقف الحساب ، كانت هذه الآلهة
التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء ، لأنهم يتبرؤون منهم وكانوا بعبادتهم كافرين يقول
تعالى ذكره : وكانت آلتهم التي يعبدونها في الدنيا بعبادتهم جاحدين ، لأنهم يقولون يوم
القيامة : ما أمرناهم بعبادتنا ، ولا شعرنا بعبادتهم إيانا ، تبرأنا إليك منهم يا ربنا .
وقوله : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات يقول تعالى ذكره : وإذا يقرأ على هؤلاء
المشركين بالله من قومك آياتنا ، يعني حججنا التي احتججناها عليهم ، فيما أنزلناه من كتابنا
على محمد ( ص ) بينات يعني واضحات نيرات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم
يقول تعالى ذكره : قال الذين جحدوا وحدانية الله ، وكذبوا رسوله للحق لما جاءهم من عند
الله ، فأنزل على رسوله ( ص ) هذا سحر مبين يعنون هذا القرآن خداع يخدعنا ، ويأخذ
بقلوب من سمعه فعل السحر مبين : يقول : يبين لمن تأمله ممن سمعه أنه سحر مبين . القول
في تأويل قوله تعالى :
* ( أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون
فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم ) * .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحه 7
پدیدآورندگان: محمد بن جرير الطبري
ص۷