وآيات كتاب الله عز وجل في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مخلدون ،
والمؤمنون به في الجنان منعمون ، وبذلك يرهبهم مرة ، ويرغبهم أخرى ، ولو قال لهم
ذلك ، لقالوا له : فعلام نتبعك إذن وأنت لا تدري إلى أي حال تصير غدا في القيامة ، إلى
خفض ودعة ، أم إلى شدة وعذاب وإنما اتباعنا إياك إن اتبعناك ، وتصديقنا بما تدعونا
إليه ، رغبة في نعمة ، وكرامة نصيبها ، أو رهبة من عقوبة ، وعذاب نهرب منه ، ولكن ذلك
كما قال الحسن ، ثم بين الله لنبيه ( ص ) ما هو فاعل به ، وبمن كذب بما جاء به من قومه
وغيرهم .
وقوله : إن أتبع إلا ما يوحى إلي يقول تعالى ذكره : قل لهم ما أتبع فيما آمركم به ،
وفيما أفعله من فعل إلا وحي الله الذي يوحيه إلي ، وما أنا إلا نذير مبين يقول : وما أنا
لكم إلا نذير ، أنذركم عقاب الله على كفركم به مبين : يقول : قد أبان لكم إنذاره ، وأظهر
لكم دعاءه إلى ما فيه نصيحتكم ، يقول : فكذلك أنا .
القول في تأويل قوله تعالى :
* ( قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) * .
يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين لهذا القرآن لما جاءهم هذا
سحر مبين أرأيتم أيها القوم إن كان هذا القرآن من عند الله أنزله علي
وكفرتم أنتم به يقول : وكذبتم أنتم به .
وقوله : وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله اختلف أهل التأويل في تأويل
ذلك ، فقال بعضهم : معناه : وشهد شاهد من بني إسرائيل ، وهو موسى بن عمران عليه
السلام على مثله ، يعني على مثل القرآن ، قالوا : ومثل القرآن الذي شهد عليه موسى
بالتصديق التوراة . ذكر من قال ذلك :
24168 - حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، عن
مسروق في هذه الآية : وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فخاصم به الذين كفروا
من أهل مكة ، التوراة مثل القرآن ، وموسى مثل محمد ( ص ) .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — Page 12
Contributors: محمد بن جرير الطبري
P.12