بمشاغب ، أو يكون انثيالهم وراء من يسرّ على الامّة حسوا في ارتغاء « 1 » ، أو يقع اختيارهم على جاهل يرتبك في الأحكام فيرتكب العظام ، ويأتي بالجرائم ، ويقترف المآثم وهو لا يعلم ، أو يعلم ولا يكترث لأن يقول زورا ، ويحكم غرورا ؛ فيفسدوا من حيث أرادوا أن يصلحوا ، ويقعوا في الهلكة وهم لا يشعرون ؛ كما وقعت أمثال ذلك في البيعة لمعاوية ويزيد وخلفاء الامويّين .
فعلى البارئ الّذي يكره كلّ ذلك في خلقه أن لا يجعل لأحد من خلقه الخيرة فيها وقد خلقه ظلوما جهولا « 2 » ؛
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
« 3 » .
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
« 4 » في الأمر .
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً
« 5 » .
وقد أخبر به النبيّ الأعظم من أوّل يومه يوم عرض نفسه على القبائل فبلغ بني عامر بن صعصعة ودعاهم إلى اللّه ؛ فقال له قائلهم : أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال : « إنّ الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء » « 6 » .
هامش
( 1 ) - مثل يضرب لمن يظهر أمرا ويريد غيره ؛ تاج العروس 10 : 153 [ و « الحسو » : شرب اللبن ونحوه الشيء بعد الشيء والجرعة . بعد الجرعة . و « الارتغاء » : شرب رغوة اللبن . ومعنى الكلام : شربه اللبن الجرعة بعد الجرعة يستره تحت شرب رغوة اللبن ؛ أي يظهر أنّه يشرب رغوة اللبن لا اللبن لكن يقصد في الواقع شرب اللبن لا الرغوة ، ويضرب مثلا لمن يظهر أنّه يسعدك لكن في الواقع يقصد ربح نفسه ؛ انظر مجمع الأمثال 3 / 525 ، رقم 4680 ] .
( 2 ) - راجع الأحزاب : 72 .
( 3 ) - الملك : 14 .
( 4 ) - القصص : 68 .
( 5 ) - الأحزاب : 36 .
( 6 ) - سيرة ابن هشام 2 : 32 [ 2 / 66 ] ؛ الروض الأنف 1 : 264 [ 4 / 38 - 39 ] ؛ بهجة المحافل -