يعني بقوله : فكلوا مما أمسكن عليكم : فكلوا أيها الناس مما أمسكت عليكم
جوارحكم .
واختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : ذلك على الظاهر والعموم كما
عممه الله حلال أكل كل ما أمسكت علينا الكلاب والجوارح المعلمة من الصيد الحلال
أكله ، أكل منه الجارح والكلاب أو لم يأكل منه ، أدركت ذكاته فذكي أو لم تدرك ذكاته حتى
قتلته الجوارح ، بجرحها إياه أو بغير جرح . وهذا قول الذين قالوا : تعليم الجوارح الذي
يحل به صيدها أن تعلم الاستشلاء على الصيد وطلبه إذا أشليت عليه وأخذه ، وترك الهرب
من صاحبها دون ترك الأكل من صيدها إذا صادته . وقد ذكرنا قول قائلي هذه المقالة
والرواية عنهم بأسانيدها الواردة آنفا .
وقال آخرون : بل ذلك على الخصوص دون العموم ، قالوا : ومعناه : فكلوا مما
أمسكن عليكم من الصيد جميعه دون بعضه . قالوا : فإن أكلت الجوارح منه بعضا وأمسكت
بعضا ، فالذي أمسكت منه غير جائز أكله وقد أكلت بعضه لأنها إنما أمسكت ما أمسكت من
ذلك الصيد بعد الذي أكلت منه على أنفسها لا علينا ، والله تعالى ذكره إنما أباح لنا كل ما
أمسكته جوارحنا المعلمة عليه بقوله : فكلوا مما أمسكن عليكم دون ما أمسكته على
أنفسها ، وهذا قول من قال : تعليم الجوارح الذي يحل به صيدها ، أن تستشلي للصيد إذا
أشليت فتطلبه وتأخذه ، فتمسكه على صاحبها فلا تأكل منه شيئا ، ولا تفر من صاحبها وقد
ذكرنا ممن قال ذلك فيما مضى منهم جماعة كثيرة ، ونذكر منهم جماعة آخرين في هذا
الموضع .
حدثنا المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن
عباس ، قوله : فكلوا مما أمسكن عليكم يقول : كلوا مما قتلن . قال علي : وكان ابن
عباس يقول : إن قتل وأكل فلا تأكل ، وإن أمسك فأدركته حيا فذكه .
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ،
عن أبيه ، عن ابن عباس قال : إن أكل المعلم من الكلاب من صيده قبل أن يأتيه صاحبه
فيدرك ذكاته ، فلا يأكل من صيده .
حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ،
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 132
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٣٢