وذلك إلى أن تبدل الأرض غير الأرض . فإذ كان ذلك أولى التأويلات بالآية لما وصفنا ،
فالواجب إذا أن يكون تأويل الآية : ولكن في الأرض منازل ومساكن ، تستقرون فيها
استقراركم كان في السماوات ، وفي الجنات في منازلكم منها ، واستمتاع منكم بها وبما
أخرجت لكم منها ، وبما جعلت لكم فيها من المعاش والرياش والزنى والملاذ ، وبما
أعطيتكم على ظهرها أيام حياتكم ومن بعد وفاتكم لأرماسكم وأجداثكم ( 1 ) ، تدفنون فيها
وتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن أبدلكم بها غيرها . القول في تأويل قوله تعالى .
( فتلقى ادم من ربه كلمت فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ( 37 ) قلنا اهبطوا منها
جميعا فإما يأتينكم منى هدى فنم تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 38 ) )
قال أبو جعفر : أما تأويل قوله : ( فتلقى آدم ) فقيل إنه أخذ وقبل ، وأصله التفعل من
اللقاء كما يتلقى الرجل الرجل يستقبله عند قدومه من غيبة أو سفر ، فكذلك ذلك في قوله :
( فتلقى ) كأنه استقبله فتلقاه بالقبول ، حين أوحى إليه ، أو أخبر به . فمعنى ذلك إذا :
فلقى الله آدم كلمات توبة فتلقاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبا فتاب الله عليه بقيله إياها
وقبوله إياها من ربه . كما :
648 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في
قوله : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) الآية ، قال : لقاهما هذه الآية : ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن
لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) ( 2 ) .
وقد قرأ بعضهم : " فتلقى آدم من ربه كلمات " فجعل الكلمات هي المتلقية آدم . وذلك
وإن كان من وجهة العربية جائزا إذ كان كل ما تلقاه فهو له متلق وما لقيه فقد لقيه ،
فصار للمتكلم أن يوجه الفعل إلى أيهما شاء ويخرج من الفعل أيهما أحب ، فغير جائز
عندي في القراءة إلا رفع " آدم " على أنه المتلقي الكلمات لاجماع الحجة من القراء وأهل
التأويل من علماء السلف والخلف على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات ، وغير جائز
الاعتراض عليها فيما كانت عليه مجمعة بقول من يجوز عليه السهو والخطأ .
واختلف أهل التأويل في أعيان الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ، فقال بعضهم بما :
649 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن عطية ، عن قيس ، عن ابن أبي ليلى ، عن
هامش
( 1 ) الأرماس : جمع رمس ، وهو القبر . والأجداث : جمع جدث ، وهو أيضا بمعنى القبر .
( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 23 .