وسر في ديارهم وآثارهم ، فانظر فيما فعلوا ، وعما انتقلوا ، وأين حلوا ونزلوا ،
فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبة ، وحلوا ديار الغربة ، وكأنك عن قليل
قد صرت كأحدهم .
فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف والخطاب
فيما لم تكلف ، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ، فإن الكف عند حيرة
الضلال خير من ركوب الأهوال .
وأمر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله
بجهدك ، وجاهد في الله حق جهاده ، ولا تأخذك في الله لومة لائم .
وخض الغمرات للحق حيث كان ، وتفقه في الدين ، وعود نفسك التصبر
على المكروه ، ونعم الخلق التصبر .
وألجئ نفسك في الأمور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز ، ومانع
عزيز ، وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان .
وأكثر الاستخارة وتفهم وصيتي ، ولا تذهبن عنها صفحا ، فإن خير القول
ما نفع .
واعلم ! أنه لاخير في علم لا ينفع ، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه . أي بني ، إني
لما رأيتني قد بلغت سنا ، ورأيتني أزداد وهنا ، بادرت بوصيتي إليك ، وأوردت
خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي ، وأن
أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى ،
وفتن الدنيا ، فتكون كالصعب النفور .
وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شئ قبلته ، فبادرتك
بالأدب قبل أن يقسو قلبك ، ويشتغل لبك ، لتستقبل بجد رأيك من الأمر
ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته ، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب ،
موسوعة الإمام الجواد ( ع ) — صفحة 568
مساهمون: أبي القاسم الخزعلي
ص٥٦٨