« لمبارزة عليّ لعمرو بن ودّ أفضل من أعمال امّتي إلى يوم القيامة » « 1 » ؟ !
الغريق يتشبّث بكلّ حشيش :
أعيت القوم شجاعة الخليفة ، وأضلّتهم عن المذاهب ، وجعلتهم في الرّونة « 2 » ، وأركبتهم على الزحلوقة تسفّ بهم تارة وتعلّيهم أخرى ، فلم يجدوا مهيعا يوصلهم إلى ما يرومون من إثباتها له مهما وجدوا غضون التاريخ خالية عن كلّ عين وأثر يسعهم الركون إليه في الحجاج لها ، فتشبّثوا بالتفلسف فيها ؛ فهذا يبني فلسفة العريش ، والآخر ينسج نسج العناكيب ويعدّ ثباته في موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعدم تضعضعه في تلك الهائلة دليلا على كمال شجاعته .
قال القرطبي في تفسيره « 3 » عند قوله تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
« 4 » :
هذه الآية أدلّ دليل على شجاعة الصدّيق وجرأته ؛ فإنّ الشجاعة والجرأة حدّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب ، ولا مصيبة أعظم من موت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ؛ فظهرت عنده شجاعته وعلمه . وقال الناس : لم يمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله منهم عمر ، وخرس عثمان ، واستخفى عليّ ، واضطرب الأمر فكشفه الصدّيق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسّنح « 5 » .
هامش
( 1 ) - مستدرك الحاكم 3 : 32 [ 3 / 34 ، ح 4327 ] ؛ المواقف للقاضي الإيجي 3 : 276 [ ص 412 ] ؛ كنز العمّال 6 : 158 [ 11 / 623 ، ح 33035 ] ؛ السيرة الحلبيّة 2 : 349 [ 2 / 320 ] وهناك كلمة ردّ على ابن تيميّة في ردّه على هذا الحديث ؛ هداية المرتاب في فضائل الأصحاب : 148 .
( 2 ) - [ « الرّونة » : الشدّة ] .
( 3 ) - الجامع لأحكام القرآن 4 : 222 [ 4 / 143 ] .
( 4 ) - آل عمران : 144 .
( 5 ) - بضمّ أوّله وسكون النون وقد تضمّ : موضع خارج المدينة بينها وبين منزل النبيّ ميل [ في معجم البلدان 3 / 265 : أنّها إحدى محالّ المدينة ] .