الحلبيّة « 1 » ، هو إعلامه الناس بموت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وحجاجه عمر بن الخطّاب بقول العزيز الحكيم :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
« 2 » .
ما أذهل الرجلين عن أنّ الأمر لم يعضل على أيّ امرئ من الصحابة ، وحاشاهم عن أن يكون هذا مبلغ علمهم ، وقد كان حملة القرآن الكريم بأسرهم على علم من موته صلّى اللّه عليه وآله أخذا بما أجرى اللّه بين البشر من الطبيعة المطّردة و
قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى
« 3 » .
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا
« 4 » .
لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
« 5 » .
وتمسّكا بالقرآن العظيم ، ونصوصه صلّى اللّه عليه وآله الكثيرة عليه في مواقف لا تحصى ، أحفلها حجّة الوداع ؛ ومن هنا سمّيت تلك الحجّة بحجّة الوداع .
ولم يكن إنكار عمر موته صلّى اللّه عليه وآله لجهله بذلك ، وقد قرأ عمرو بن زائدة عليه وعلى الصحابة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الآية المذكورة قبل تلاوة أبي بكر إيّاها وأشفعها بقوله تعالى :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
« 6 » « 7 » فضرب الرجل عنها وعن قارئها صفحا ، وعمرو بن زائدة صحابيّ عظيم استخلفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على المدينة ثلاث عشرة مرّة في غزواته « 8 » .
وإنّما كان إنكاره ذلك وإرهابه الناس لسياسة مدبّرة ؛ وذلك صرف فكرة الشعب عن الفحص عن الخليفة إلى أن يحضر أبو بكر وكان غائبا بالسّنح « 9 »
هامش
( 1 ) - السيرة النبويّة 3 : 376 [ 2 / 306 ] .
( 2 ) - آل عمران : 144 .
( 3 ) - الأنعام : 2 .
( 4 ) - آل عمران : 145 .
( 5 ) - يونس : 49 .
( 6 ) - الزمر : 30 .
( 7 ) - راجع تاريخ ابن كثير 5 : 243 [ 5 / 262 - 263 ، حوادث سنة 11 ه ] ؛ شرح المواهب للزرقاني 8 : 281 .
( 8 ) - الإصابة 2 : 523 .
( 9 ) - [ « السّنح » : إحدى محالّ المدينة كان بها منزل أبي بكر ؛ معجم البلدان 3 / 256 ] .