وأنتم تروون عن عمر أنه جعل دية أهل الذمة ثمانمائة 1 ثم أنتم تحكمون في عبد
قيمته عشرون ألفا " إذا قتله مسلم أخذ من القاتل ديته مثل قيمته وهي فضل على دية الحر
المسلم وإن كانت دية العبد مائة ألف أخذ القاتل بها وإن كان القاتل قرشيا " هاشميا "
فدية العبد أكثر من ديته .
ثم روايتكم على النبي - صلى الله عليه وآله - أنه شرب المسكر وأمر بشربه
وأنه رفع إليه إناء من شراب فقربه من فيه فقطب منه فدعا بماء فصبه عليه وشربه
ثم قال : إذا رابتكم أشربتكم فاكسروها بالماء 2 .
هامش
1 - كذا في ح لكن في سائر النسخ : " ثمانمائة ثمانمائة " مكررة .
2 - يظهر أن أمثال هذه الروايات إنما هي من دس الوضاعين وافتراء
المختلقين نظير ما تقدم من حديث خلق الله تعالى نفسه من عرق الخيل ( أنظر
ص 11 و 12 من الكتاب الحاضر ) وإلا فكيف يمكن أن يتفوه مسلم بأمثال هذه الأباطيل
فضلا عن أن يرويها ويصدقها ، على أنا لم نظفر بهذا فيما بأيدينا من المراجع فكأن المصنف
رضوان الله عليه - قد أخذه من بعض ما كان بيده من المآخذ .
ثم لا يخفى عليك أني أظن ظنا " قويا " أن عبارة المتن كانت منسوبة إلى عمر فاشتبه
الأمر على المصنف ( ره ) أو على صاحب المأخذ الذي أخذها المصنف ( ره ) منه فإن نظير
العبارة منقولة منه ومذكورة في حقه في كتب أهل السنة والجماعة فلا بأس بالإشارة إلى
شئ من موارد نقلها .
قال الأميني ( ره ) في الجزء السادس من كتاب الغدير ضمن بحث طويل تحت
عنوان " اجتهاد الخليفة في الخمر وآياتها " ما نصه ( ص 257 - 258 من الطبعة الثانية ) :
" ولاعتياده بها منذ مدة غير قصيرة إلى نزول آية المائدة في حجة الوداع طفق يشرب
النبيذ الشديد بعد نزول ذلك الوعيد وبعد قوله : انتهينا انتهينا وكان يقول : إنا نشرب
هذا الشراب الشديد لنقطع به لحوم الإبل في بطوننا أن تؤذينا فمن رابه
من شرابه شئ فليمزجه بالماء ( السنن الكبرى ج 8 ، ص 299 ، محاضرات
الراغب ج 1 ، ص 319 ، كنز العمال ج 2 ، ص 109 نقلا عن عن ابن أبي شيبة ) .
وقال : إن رجل معجار البطن أو مسعار البطن وأشرب هذا النبيذ الشديد فيسهل
بطني ( أخرجه ابن أبي شيبة كما في كنز العمال ج 3 ، ص 109 ) .
وقال : لا يقطع لحوم هذه الإبل في بطوننا إلا النبيذ الشديد ( جامع مسانيد أبي حنيفة
ج 2 ، ص 190 ، 215 ) .
م - وكان يشرب النبيذ الشديد إلى آخر نفس لفظه قال عمرو بن ميمون : شهدت
عمر حين طعن أتي بنبيذ شديد فشربه ( طب 6 ص 156 ) .
وكان حدة شرابه وشدته بحيث لو شرب غيره منه لسكر ، وكان يقيم عليه الحد غير
أن الخليفة كان لم يتأثر منه لاعتياده ، أو كان يكسره ويشربه ، قال الشعبي : شرب أعرابي
من إداوة عمر فأغشي فحده عمر ثم قال : وإنما حده للسكر لا للشرب ( العقد الفريد ج 3 ،
ص 416 ) .
وفي لفظ الجصاص في أحكام القرآن ( ج 2 ص 565 ) أن أعرابيا " شرب
من شراب عمر فجلده عمر الحد فقال الأعرابي : إنما شربت من شرابك فدعا عمر شرابه فكسره
بالماء ثم شرب منه وقال : من رابه [ من ] شرابه شئ فليكسره بالماء ثم قال الجصاص :
ورواه إبراهيم النخعي عن عمر نحوه وقال فيه : إنه شرب منه بعدما ضرب الأعرابي .
وفي جامع مسانيد أبي حنيفة ( ج 2 ص 192 ) قال : هكذا فاكسروه بالماء
إذا غلبكم شيطانه وكان يحب الشراب الشديد . وعن أبي جريج أن رجلا عب في شراب
نبذ لعمر بن الخطاب بطريق المدينة فسكر فتركه عمر حتى أفاق فحده ثم أوجعه عمر بالماء
فشرب منه ( حاشية سنن البيهقي لابن التركماني ج 8 ، ص 306 ، كنز العمال ج 3 ، ص
110 ) وعن أبي رافع : أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : إذا خشيتم من نبيذ شدته
فاكسروه بالماء ( أخرجه النسائي في سننه ج 8 ، ص 326 ) وعده مما احتج به من أباح
شرب المسكر " .
وقال الحاكم في المستدرك في كتاب معرفة الصحابة تحت عنوان " ذكر
الروايات الصحيحة عن الصحابة - رضي الله عنهم - بإجماعهم في مخاطبتهم إياه بيا خليفة
رسول الله - صلى الله عليه وآله " ما نصه ( ج 3 ، ص 82 ) :
" وأخبرنا أبو بكر ، أنا أبو المثنى ، ثنا مسدد ، ثنا أبو الأحوص ، ثنا مسلم الأعور ،
عن أبي وائل قال : غزوت مع عمر - رضي الله عنه - الشام فنزلنا منزلا فجاء دهقان يستدل
على أمير المؤمنين حتى أتاه فلما رأى الدهقان عمر سجد فقال عمر : ما هذا السجود ؟ - فقال :
هكذا نفعل بالملوك فقال عمر : اسجد لربك الذي خلقك ، فقال : يا أمير المؤمنين إلى قد
صنعت لك طعاما " فأتني قال : فقال عمر : هل في بيتك من تصاوير العجم ؟ قال : نعم
قال : لا حاجة لنا في بيتك ولكن انطلق فابعث لنابلون من الطعام ولا تزدنا عليه قال :
فانطلق فبعث إليه بطعام فأكل منه ثم قال عمر لغلامه : هل في إداوتك شئ من
ذلك النبيذ ؟ قال : نعم ، قال : فابعث لنا فأتاه فصبه في إناء ثم شمه فوجده
منكر الريح فصب عليه ماء ثم شمه فوجده منكر الريح فصب عليه الماء
ثلاث مرات ثم شربه ثم قال : إذا رابكم من شرابكم شئ فافعلوا به هكذا ،
ثم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله يقول : لا تلبسوا الديباج والحرير
ولا تشربوا في آنية الفضة والذهب فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ، صحيح الإسناد
ولم يخرجاه " .
أقول : من أراد الخوض في ذلك فليراجع المفصلات فإن المقام لا يسع أكثر من
ذلك مضافا " إلى أني لا أحب البحث عنه ولولا أن بيان ما في المتن وتوضيحه كان يستدعي ذلك
المقدار لما تكلمت فيه بشئ فضلا عن ذلك المقدار .