تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
ومنها : أنا إذا تتبعنا موارد الشرع وجدنا حكم الشارع بوجوب كثير من المقدمات ، ألا ترى أنه حكم بمنع نكاح زوجته المشتبهة بالأجنبية ولبس أحد الثوبين المشتبهين بالنجس واستعمال أحد الإنائين المشتبهين بالنجس إلى غير ذلك ، فإنه لم يمنع من ذلك إلا لتوقف حصول الاجتناب من الحرام على ذلك أو لتوقف العلم بالاجتناب عليه . وأنت خبير بأن أقصى ما يفيده الاستقراء الظن بالحكم ولا حجية في مطلق الظن بالنسبة إلى الفروع فكيف بالأصول ؟ على أنه قد يناقش في حصول الاستقراء في المقام بحيث يعلم ثبوت الحكم بالنسبة إلى الغالب حتى يمكن تحصيل الظن بإلحاق الباقي بها لكون الظن يلحق المجهول بالأعم الأغلب . ومنها : أن ضرورة العقل قاضية بالتناقض بين القول بأني أطلب منك الشئ الفلاني على سبيل الحتم والجزم ، ولا الزمك بمقدمته المتوقفة عليه الذي لا بد منه في الوصول إلى ذلك بوجه من الوجوه ولو من جهة إيصاله إلى ذلك الفعل وأدائه إليه ، بل أنت بالخيار عندي في فعله وتركه ولو من جهة الإيصال إلى ما هو مطلوبي . كيف ومن المعلوم بالضرورة أن المنع من الشئ وتحريمه والإذن في السبب الموصل إليه - كالمنع من قتل زيد والتهديد عليه والإذن في ضرب عنقه والحكم بجوازه - يعد عرفا من الهذيان ؟ لوضوح التناقض بينهما بضرورة الوجدان ! والقول بالواسطة بين المنع من الشئ والإذن فيه من العاقل المتفطن العالم بحقيقة الأمر حتى يقال في المقام بعدم جواز الإذن فيه وإن لم يكن ممنوعا منه أيضا فاسد ، لوضوح أن عدم المنع من الفعل مع التفطن له إذن في الإتيان به بالنسبة إلى من لا يعقل في شأنه التردد في الأمر ولو سلم ذلك فهو في حكم العقل ، وحينئذ فإما أن يكون ممنوعا منه أو لا ، والأول يثبت المدعى والثاني قاض بجواز الترك . والفرق بين حكم العقل والشرع وجواز الانفكاك بين الحكمين بين الفساد حسب ما مر ، وحينئذ فكيف يعقل جواز ترك المقدمة مع المنع من ترك ذي المقدمة وعدم جوازه ؟
هداية المسترشدين — صفحة 158 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني