نعم ، هو كذلك لكن معاوية حائد عن الدين القويم ولا يقيم له وزنا ما ، ولا يكترث لمغبّة هتكه ، ولا يتريّث عن الوقيعة فيه .
مالك الأشتر :
ومن الصلحاء الّذين قتلهم معاوية بغير ذنب أتاه ، مالك بن الحارث الأشتر النخعي . للّه درّ مالك وما مالك ؟ لو كان من جبل لكان فندا « 1 » ، ولو كان من حجر لكان صلدا . على مثل مالك فلتبك البواكي . وهل موجود كمالك ؟ أشدّ عباد اللّه بأسا ، وأكرمهم حسبا ، كان أضرّ على الفجّار من حريق النار ، وأبعد الناس من دنس أو عار ، حسام صارم ، لا نابي الضريبة ، ولا كليل الحدّ ، حكيم في السلم ، رزين في الحرب ، ذو رأي أصيل ، وصبر جميل .
كان ممّن لا يخاف وهنه ولا سقطته ، ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم ، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل ، كان يجمع بين اللين والعنف ، فيسطو في موضع السطوة ، ويرفق في موضع الرفق ، كان فارسا شديد البأس شجاعا رئيسا حليما جوادا فصيحا شاعرا .
قال المسعودي في المروج « 2 » :
ولّى عليّ الأشتر مصر وأنفذه إليها في جيش ؛ فلمّا بلغ ذلك معاوية دسّ إلى دهقان وكان بالعريش « 3 » فأرغبه وقال : أترك خراجك عشرين سنة فاحتل للأشتر بالسمّ في طعامه . فلمّا نزل الأشتر العريش سأل الدهقان :
أيّ الطعام والشراب أحبّ إليه ؟ قيل : العسل ؛ فأهدى له عسلا وقال : إنّ من أمره وشأنه كذا وكذا ، ووصفه للأشتر وكان الأشتر صائما فتناول منه شربة فما استقرّت في جوفه حتّى تلف ، وأتى من كان معه على الدهقان ومن كان معه . وقيل : كان ذلك بالقلزم والأوّل أثبت . فبلغ ذلك عليّا فقال :
هامش
( 1 ) - [ « الفند » : المنفرد من الجبال القطعة العظيمة من الجبل ] .
( 2 ) - مروج الذهب 2 : 39 [ 2 / 429 ] .
( 3 ) - هي مدينة كانت أوّل عمل مصر من ناحية الشام على ساحل بحر الروم .