تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
فكرهم بإيراد الحجج نفيا أو إثباتا لأمور في الفروع كان الأولى الاقتصاد بها والوقوف عند حدود ما تتم معه الفائدة من فهم مقاصد الشارع منفع الخلق في أمور العبادات والمعاملات . ثم قال : إن مذهب الجبرية - وهي من أكبر الفرق الإسلامية في وقتها وأكثرها جدلا - لم يكن في ما ارتأته محض الحق أو ما يجوز الأخذ به للمسلمين كافة ؛ لأن في مباحثهم وأسس مذهبهم بإسناد أفعال العبد كلها إلى اللَّه تعالى وحجودهم الجزء الاختياري والكسبي مذلة إقدام لضعفاء العقول قصار النظر في الأمة ولا يسلم إلا الثابتون في إيمانهم ، الراسخون في عقيدتهم ؛ إذ في تلك المباحث عقبات كئود ومقامات تشبه في اجتيازها هول الصراط وهي إلى العلم الروحاني أقرب منها إلى العلم الجسماني . وأما ما ورد عن لسان الجبرية ووافقت به المعتزلة في بحثهم عن قول الإنسان « أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم » هذه الاستعاذة من الشيطان إن كانت كي لا يوسوس للإنسان حتى لا يعصي اللَّه ويعصمه منه ، فإما أن يكون الباري تعالى عالم بالمحدثات كلها ، وسبق في قضائه الأزلي منع الشيطان أو عدم منعه ، فإن كان الأول وهو المنع للشيطان بالزجر الإلهي ، وقهره ألا يفعل وألا يوسوس ، كان الشيطان أحقر من أن يخالف أمر اللَّه وكانت الاستعاذة لا معنى لها وإن كان الشيطان مأمورا أن يوسوس للإنسان بأمر اللَّه ، كان الشيطان مسلطا ومدفوعا بأمر لا مرد له ، فلا نفع ولا فائدة من الاستعاذة . . . الخ . وإن اللَّه إنما يريد إصلاح العبد ، ولا يريد إلا الخير لعباده وما ربك بظلّام للعبيد . . . كل مثل هذه الشبهات والخواطر ، لا يجوز الأخذ بها على ظاهرها ، لأن لها من المقامات كما ذكرنا ، لا تحصل ولا يمكن الوصول إليها إلا بمجاهدات نفسية وإمداد ليدخل وراء الشارع الأعظ إلى حضرة « لا إله إلا اللَّه » ولا فاعل إلا اللَّه . بدليل قول المصطفى صلى الله عليه وآله « أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك ، وأعوذ بك منك ولا أحصى ثناء عليك أنت كما أنت وكما أحصيت على نفسك » . هذا المقام الأسمى من المقامات المحمدية ، التي علم بها بعالم الشهود لمقام التعينات ، إن اللَّه تعالى هو الفاعل المختار لا ربّ سواه .