فعشقها وعشقته فأرسلت اليه وقالت : ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة وتقتل أبى ؟ قال : لك حكمك وأرفعك على نسائي وأخصلك دونهن بنفسي . قالت : عليك بحمامة ورقاء فاكتب على رجلها بحيض جارية بكر زرقاء ثم أرسلها فإنها تقع على حائط المدينة فيتداعى . وكان ذلك طلسما لا يهدمها إلا هو . ففعل ذلك وتأهب لهم فتداعت المدينة ففتحها عنوة وقتل الضيزن وأباد بنى العبيد وأفنى قضاعة حتى لم يبق منهم باق . وفي ذلك يقول شاعرهم :
ألم يحزنك والأنباء تنمى * بما لاقت سراءة بنى العبيد
ومصرع ضيزن وبنى أبيه * وأخلاس الكتائب من يزيد
أتاهم بالفيول مجللات * وبالأبطال سابور الجنود
فهدم من أواسى الحضر صخرا * كأن ثقاله زبر الحديد
قال : فخرب سابور الحضر ، واحتمل النضيزة بنت الضيزن فأعرس بها بعين التمر . فلم تزل ليلتها تتضوّر من خشونة فُرُشها ، وكانت من حرير محشور بقز . فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هي ورقة آس ملتصقة بعكنة عن عكنها قد أثر فيها . قال : وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها . فقال لها سابور :
بأي شيء كان يغذوك أبوك ؟ قالت : بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر . فقال :
وأبيك ! لأنا أحدث عهدا بمعرفتك ، وأوتر لك من أبيك الذي غذاك بما تذكرين . فأمر رجلا فركب فرسا جموحا فضفر غدائرها بذنبه ثم استركضه فقطعها قطعا . فلذلك قال الشاعر وهو عدى بن زيد :
أقفر الحضر من نضيرة فالمر * باع منها فجانب الثرثار
وصية سابور لابنه أورمزد ( هرمز ) ليستلم الحكم من بعده والإحسان إلى الرعية
قال الفردوسي : فبقى سابور مستقرا على سرير الملك موطئا للرعية أكناف العدل والأمن حتى أتت عليه من ملكه ثلاثون سنة فطلعت عليه طلائع المنية فاستحضر ولده أورمزد ، وهو هرمز .
فعهد اليه وأوصاه بأن يعدل إلى الرعية وألا يرفع صوته فوق كل ذي صوت خافض ، ولا يسلك غير طريق العدل ، ولا يحرص على جمع الكنوز واقتناء الأموال ، وأن يكون متيقظا في جميع الأمور .
ثم قضى نحبه وسلك سبيل الذاهبين ، وورد موارد الأولين . وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين أجمعين .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 59
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٥٩