واحتجوا بقوله عليه السلام : إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ، ولعل أحدكم
أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما سمع فمن قضيت له بشئ
من حق أخيه فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار أو كما قال عليه السلام .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، بل هو حجة عليهم ، لان النبي صلى الله عليه وسلم
فعل ما أمر به من الحكم الظاهر من البينة أو اليمين ، وأخبر الناس أن ذلك لا يحل
حراما ولا يحرم حلالا ، ولا يحيل شيئا عن وجهه ، فلو كان حكم أحد من الحكام
حقا ، وإن كل ما خالفه حقا ، لكان ذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم ولكان هذا بيان واضح
في أن الحق في واحد ، وأن ما خالفه خطأ ، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر بأن المال
لزيد هو غير وجوب كون ذلك المال ملكا على الحقيقة لزيد ، فهما شيئان متغايران .
وإذا كانا كذلك فمن الممكن أن يكون أحدهما حقا والآخر باطلا ، فبطل احتجاجهم
بذلك في قول الحق في وجهين مختلفين ، بل قد أخبر عليه السلام أن الحق حق ،
وأن حكمه لا يحيله عن وجهه ، ولا يوجب إحلال المقضي به لغير صاحبه ، فإن
قالوا مشاغبين : أحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظاهر الامر بما نهى عن أخذه في الباطن
حكم بحق أو حكم بباطل ، فإن قلتم بباطل كفرتم ، وإن قلتم بحق فهو قولنا ، قلنا
لهم وبالله تعالى التوفيق : لا يحل لمسلم أن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بباطل وهو
يعلم أنه باطل ، ومن أجاز هذا أو ظن جوازه فهو كافر حلال الدم والمال . ولكن
القول أنه صلى الله عليه وسلم ما حكم بشهادة الشهود واليمين إلا بحق مقطوع على أنه حق كما
أمره الله عز وجل ، وأمر المحكوم له بخلاف ما هو في باطنه حق بألا يأخذه .
ثم نقول : إنه قد صح يقينا أنه عليه السلام يحكم بما هو عنده حق فيوافق خلاف
ما أمره الله تعالى به وهذا لا يسمى باطلا ، ومن سمى هذا باطلا فهو كافر ، وذلك
نحو سلامه صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر بالمدينة من ركعتين أو ثلاث ،
وإعراضه عن الأعمى فنزل في ذلك من القرآن ما نزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قصد
في كل ذلك ما هو حق عنده . ولم يكن ذلك عند الله تعالى كذلك ، فصح أن الحق
في واحد ولا بد ، فمن خالفه ناسيا أو هو يرى أنه حق ، فليس آثما ، ولكنه
مأجور أجرا واحدا ، ومن خالفه عامدا عالما فهو إما فاسق وإما كافر ، إن كان
خلافا للاسلام ، وبالله تعالى التوفيق .
الاحكام — صفحة 651
مساهمون: ابن حزم
ص٦٥١