تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال
وإضاعة المال .
قال أبو محمد : ففي بعض ما ذكرنا كفاية ، لان الله تعالى نص على أن الاختلاف
شقاق ، وأنه بغي ونهى عن التنازع والتفرق في الدين ، وأوعد على الاختلاف
بالعذاب العظيم ، وبذهاب الريح ، وأخبر أن الاختلاف تفريق عن سبيل الله ،
ومن عاج عن سبيل الله تعالى فقد وقع في سبيل الشيطان ، قال تعالى : * ( قد تبين
الرشد من الغي ) .
وقد نص تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده ، ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض
به ، وإنما أراده تعالى إرادة كون ، كما أراد كون الكفر وسائر المعاصي .
فإن قال قائل : إن الصحابة قد اختلفوا وأفاضل الناس ، أفيلحقهم هذا الذم ؟
قيل له ، وبالله تعالى التوفيق : كلا ، ما يلحق أولئك شئ من هذا ، لان كل امرئ
منهم تحرى سبيل الله ووجهة الحق ، فالمخطئ منهم مأجور أجرا واحدا لنيته
الجميلة في إرادة الخير ، وقد رفع عنهم الاثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه
ولا استهانوا بطلبهم والمصيب مأجور منهم أجرين . وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة
فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه ، وإنما الذم المذكور والوعيد الموصوف ، لمن
ترك التعلق بحبل الله تعالى الذي هو القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم بعد بلوغ النص
إليه ، وقيام الحجة به عليه وتعلق بفلان وفلان مقلدا عامدا للاختلاف ، داعيا
إلى عصبية وحمية الجاهلية ، قاصدا للفرقة ، متحريا في دعواه برد القرآن
والسنة إليها ، فإن وافقها النص أخذ به ، وإن خالفها تعلق بجاهليته وترك القرآن
وكلام النبي صلى الله عليه وسلم فهؤلاء هم المختلفون المذمومون .
وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين ، وقلة التقوى ، إلى طلب ما وافق
أهواءهم في قول كل قائل ، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم ، مقلدين له
غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى ، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم .
فإن قال قائل : فإذ لا بد من مواقعة الاختلاف فكيف التخلص من هذا الذم
الوارد في المختلفين ، قيل له ، وبالله تعالى التوفيق : قد علمنا الله تعالى الطريق في
ذلك ، ولم يدعنا في لبس وله الحمد ، فقال تعالى : * ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه
الاحكام — صفحة 645
مساهمون: ابن حزم
ص٦٤٥