فغلبت الروم بعد أن كانت مغلّبة ، وانهزم الإيرانيون . فتبعهم الإسكندر في عساكره إلى شاطئ الفرات فقتل منهم خلقا كثيرا . وانصرف إلى مخيمه وقد شرع أرم الروم في الاعتلاء وأخذت نار الفرس في الانطفاء . ولكل ّ أجل معلوم ، ولا يدوم إلا ملك الواحد القيوم .
النزال الثاني بين دارا والإسكندر
قال : ففرّق دارا رسله من أقطار بلاده ، وطير كتبه إلى أطراف ممالكه ، وحشد وحشر خلقا عظيما ، واستأنف الأمر فعاد بعد انقضاء شهر وعبر الفرات . ونهض اليه الإسكندر فالتقوا واتصل الحرب بينهم ثلاثة أيام . فقتل من الإيرانيين خلق ، وكانت الدبرة عليهم . فدارت على دارا دائرة السوء فولاهم ظهره ، وركب الإسكندر كالريح العاصف أثره . وأمر بأن ينادى نداء الأمان في المنهزمين ، وأو عز باستمالتهم أجمعين . فاستظل الإيرانيون عند ذلك بظل أمانه ، وتمسكوا بِعصَم إحسانه . فأقام الإسكندر بعد هذه الوقعة في مكانه ذلك أربعة أشهر . وفرّق ما غنم من الإيرانيين على عساكره .
وسار دارا حتى وصل إلى جهرم . فاستقبله أكابر الفرس متوجعين لما أصابه فمضى إلى إصطخر ، وكتب إلى أصحاب الأطراف وإلى الأمراء والأعيان يستحضرهم فحضروا فجمعهم في إيوانه . وقال :
إن ملوك الروم كانوا من قبل صيدا في أيدينا وأضحوا الآن يصيدوننا ، وإنهم كانوا أذل من الثعالب فصاروا كالنمور ، وكانوا أعجز من البغاث فعادوا كالصقور . وقد رضوا من قبل أن يتركوا في أطهار الخمول ضارعين فصاروا الآن جبابرة في ملابس القهر رافلين . فإن تعاضدتم متوازرين وتظافرتم متظاهرين كفينا شرهم ونفينا ضرهم . وكانت عينه في أثناء خطابه تدمع ، وقلبه يكاد يتصدّع .
فوثب الحاضرون وقالوا : إنا ملاقو عدوّنا وباذلون جهدنا في الدفاع عن أنفسنا وأهالينا . ونصابر العدوّ ، ويشدّ كل منا ذيله بذيل صاحبه . فأمر دارا بتفريق الأموال والخيل والأسلحة عليهم حتى تجهزوا وأخذوا أهبتهم .
النزال الثالث بين دارا والإسكندر وهروب دارا إلى كرمان
فبلغ الخبر الإسكندر ، وهو بالعراق ، بانتعاش دارا وارتياشه وإعداده واستعداده . فأقبل إلى فارس فاستقبله دارا في عساكر كثيرة لا يحويهم الحصر لكنهم قلوا حين خانتهم السعادة وفاتهم النصر . فالتقوا وجرت بينهم وقعة أخرى عظيمة فانهزم دارا أيضا وهرب إلى كرمان . وأقبل الإسكندر حتى استولى على إصطخر التي كانت مستقرّه ومستقرّ الملوك الماضين قبله . فأمر فنادى مناديه . ألا من لاذ بعصمة الأمان ، وآثر الطاعة على العصيان أوطأناه
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 385
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٣٨٥