وانى ألف من الانتساب إليك والقعود على الدكان بين يديك . فاصدقنى عن حقيقة حالي معك .
فصاح عليه القصار وسفهه فيما قال : وقال : إن كنت تجد في قلبك من الانتساب إلىّ شكا فسائل أمك حتى تخبرك من نجلك . فسكت على ذلك . ثم إن القصار خرج ذات يوم في شغله .
فأغلق الباب على زوجته وسهل عليها السيف وأوعدها وتهدّدها وقال لها : اصدقنى عن حالي ، وأخبر بنى عن أصلى ، وبالسبب الذي أصارنى إلى بيت هذا القصار . وفخافت وسألته الأمان وأخبرته بالحال وحدّثته بحديثه وحديث الصندوق والجور والذهب . فأطرق مليا مفكرا ثم قال لها : وهل بقي من ثمن تلك الجواهر شيء أشترى به مركوبا ؟ فأعطته قدرا من الذهب فاشترى فرسا وعدّة رثة رخيصة .
وكان لتلك الناحية مرزبان فقصده واتصل بخدمته . واتفق أن عسكر الروم غزو تلك الناحية فملكوها ونهبوها وقتلوا المرزبان الذي كان عليها . فأنهى ذلك إلى هُماى ملكة العالم فجرّدت لقتال الروم إصبهبذا يسمى رشتواذ ، وكان ذا شرف صميم وبيت في الإصبهبذية قديم وضم إليه العساكر .
وقصده داراب واتصل بخدمته ، وأثبت كانت الجيش اسمه في جريدته . ثم إن الملكة هماى أمرت رشتواذ بعرض الجيوش ، وركبت وخرجت بنفسها ، فجعل الجيش يمرّ بها فوجا فوجا . فعبر داراب رافعا على كاهله عمودا بهلوانيا وكأنه قد ملأ الميدان أبهة وبهاء ورونقا وسناء . فنظرت الملكة إلى قدّه الكياني وشكله الخسروانى فتحلب ثديها لبنا . فقالت : من أين هذا الفارس ؟ ولست أشك أنه من أصل كريم وبيت قديم . وما هو إلا فارس بطل إلا أن عدّته لا تليق به .
قال : فسار الإصبهبذى قاصدا قصد الروم .
معرفة رشنواذ حقيقة أمر داراب
فأظلتهم السماء ذات سيوم بسحابة وطفاء ذات برق ورعد ووابل وودق ، فنصبوا الخيم ومدّوا السرادق . وجعل المطر يتدفق كأفواه القرب ، والخيل تسوخ في الوحل إلى الركب . فآوى كل منهم إلى خيمة أو فازة أو خركاه ، وغير داراب فإنه لم يكن له مأوى يأوى إليه . فرأى هناك طاق بناء قد طال عليه والأبد يريد أن ينقض فالتجأ إليه ونزل تحته وهو مبتل الثياب حليف كتاب . فجلس على التراب قانعا بالمنزل الخراب ، وربط فرسه عنده والمطر يفيض فيضا . فعبر الاصبهبذ على ذلك الحائط فسمع هاتفا يقول : أيها الطاق المستهدم أثبت مكانك فإن تحت ملكا كبيرا نجَله أردشير . ولا تخت من المطر ، واحفظ ما نقول لك . وهتف بهذا ثلاث مرات . فتعجب الإصبهبذ من ذلك ، ونفذ بعض أصحابه حتى يأتيه بخبر الذي نزل تحت الطاق . فجاء ورأى شابا ذا رواء ومنظر قد اُبتل ثوبه وفرسه ، وهو ممدّد على التراب . فأخبر
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 376
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٣٧٦