ثم سجد شكر اللّه تعالى : فوصل أخوه بالعسكر وأصحابه وأولاده فخيموا وبسطوا فرش الديباج وبُسُط الحرير .
المنزل السادس اجتياز إسفنديار الثلوج
وجلس إسفنديار واستحضر أسيره فجاء مصفر اللون لما رأى من نكايات إسفنديار في تلك السباع . فقال له إسفنديار : أخبرني أيها الخبيث ! عما نرى في المنزل الآخر . فقال : غدا تقع في خطب لا ينجيك منه سيف ولا سنان يمطر عليك من الثلج ما يغمر الرمح فتبقى مع هذا الجحفل الجرّار تحت الثلج عاجزين . ويهب هواء بارد شديد يكاد يمزق بزمهريره الحاء الشجر ، ويخمد النار في قلب الحجر . ومع ذلك فليس بعجب من سعادتك أن تسلم منه كما سلمت من غيره . ثم إنك تفضى بعد ذلك إلى برية في نحو ثلاثين فرسخا تلتهب من حر الشمس ، رملها مائر وما يدب فيها نملة ولا يدرج فيها طائرة ، ولا توجد فيها قطرة ماء ولا طاقة حشيش . فإذا قطعت وراء هذه الأرض أربعين فرسخا فحينئذ تبدو لك القلعة . ووصفها بمعنى قول أبى فراس حيث يقول :
لنا جبل يحتله من نجيره * منيع يرد الطرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما به * إلى النجم فرع لا ينال طويل
فضج الإيرانيون حين سمعوا ذلك وقالوا : أيها الملك ! لا تدر حول البلاء ما استطعت .
وكلام كُركسار إن صح فنحن لم نأت هذا الموضع إلا للاستسلام للهلاك والموت . والرأي أن نعدل من هذا الطريق إلى طريق آخر . فغضب إسفنديار وقال : إن كنتم قد سئمتم ومللتم فارجعوا وراءكم فانى لا أحتاج إليكم في هذا الأمر . ويكفنى أخي وولدى عونا في هذا الخطب . فلما رأوا نعره اعتذروا اليه وقالوا : نحن عبيدك ونصحاؤك ، وأرواحنا ونفوسنا فداؤك . وما قلنا ما قلناه إلا طلبا لسلامتك وجريا على مقتضى النصيحة لك . فقبل معذرتهم .
ثم لما تبلج الصبح ارتحلوا وساروا إلى آخر النهار . فنزل في منزل هواؤه كهواء الربيع صافي الجوّ مُصحى السماء فنصبوا فيها الخيم ونزلوا . فبيناهم كذلك إذ أظلم الجوّ واشتدت الريح ونشأت سحابة أبرقت وأرعدت وأطبقت عليهم ثلاثة أيام بلياليهن تهيل عليهم الثلج هيلا حتى امتلأت الأودية . فصاح إسفنديار بأخيه بِشوتَن وقال : قد اشتدّ علينا الأمر وليس ينفعنا الآن رجولية ولا قوّة . والرأي أن نلجأ إلى من لا ملجأ منه إلا اليه . فإنه الكاشف للضر والقادر عليه . فاجتمعوا ورفعوا أيديهم وتضرعوا إلى اللّه تعالى مبتهلين ودعوة دعوة الصادقين . فسكن الهواء وانجلت السماء .
فأقاموا هنالك ثلاثة أيام .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 346
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٣٤٦