وأما زال ورستم وجوذرز فإنهم أقاموا ثلاثة أيام على ذلك الجبل الذي ذكرنا مفارقة الملك إياهم عليه ، يبكون وينتحبون . ولما طلعت الشمس عن اليوم الرابع ، وانكشف الغيم وصحا الجوّ قالوا : قد طال مكثنا هاهنا ، وان كان الملك قد هلك فما بال من كانوا معه لم يعودوا ؟ فأقاموا أسبوعا آخر فأيسوا منهم ، وأخذوا في البكاء والعويل ، وطفق جوذرز يضرب نحره وينتف شعره ويقول : من لقى ما لقيت من ذرية كيكاوس ؟ قد كان حولى من أولادي عسكر فقتل أكثرهم بسبب الطلب بثأر سياوخش ، وقد أصاب هؤلاء الباقين مع هذا الآخر ما أصابهم . وجعل ينوح عليهم ويندبهم . فأخذ زال يغريه ويسليه . ثم رجعوا .
علم لهراسب باختفاء الملك كيخسرو
ولما علم لهراسب بحالهم ورجوعهم جلس على تخته فدخل عليه الأكابر والأمراء . فقال :
يا قوّاد العسكر ! إنكم قد سمعتم مواعظ الملك السعيد كيخسرو ووصاياه . فمن يكن منكم بولايتي غير مسرور ولا ممتثل لأوامر الملك فإني بكل ما أمرني به قائم ، ولجميع مراسمه ممتثل . وأنتم فلا تخالفوه أيضا ولا تخفوا من حالكم من شيئا . فإن من نبذ وصية الملوك وراء ظهره يكون مخالفا للّه في سره وجهره . فقال دستان : إن الملك قد سماك لهذا الأمر ، وقبلتُ وصيته ولست براجع عن ذلك ولا رستم . فالآن أنت المتبوع ونحن التابعون ، والآمر ونحن المطيعون . فأثنى عليه لهراسب وقال :
إن الملك قد عقد لكم على نيم روز ، فالآن كل ما قدرتم على أخذه واستضافته إليها فقد سلطتكم عليه .
وأقبل على جوذرز قال : ماذا تقول أيها البهلوان ؟ فقال ماذا أقول وأنا رجل وحيد ؟ فذكر أولاده بهرام وجيوا وبيژن ، ومزق ثيابه ، وبقي ساعة يندبهم وينوح عليهم . ثم أفاق وقال : أنا موافق لدستان فيما قال وممتثل لأمر الملك كيخسرو فيما دبر واختار . أنت الملك ونحن كلنا لك أتباع وأشياع » . فأثنى على لهراسب سائر من حضر من الأمراء والقوّاد ، وخدموه ثم انصرفوا . وانشرح صدره بما استتب له من ذلك الأمر لكنه أخر التتوّج بتاج السلطنة إلى يوم المهرجان اقتداء بأفريدون .
وهذا آخر الحديث عن ملك كيخسرو وسلطانه . ونتبعه بذكر نوبة لهراسب ووقائعه ان شاء اللّه تعالى ، بسعادة مولانا السلطان الملك المعظم ، ملك ملوك العرب والعجم أبى الفتح عيسى بن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب لا زال تاج الملك منوّرا ببهائه وجماله ، وسرير السلطنة مزينا بروعته وجلاله ، ما تعاقب الملوان وتناوب الجديدان .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 307
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٣٠٧