وفي الميسرة ثلاثين ألفا وجعل مع القسم الثالث الفيلة العظام كأنها أركان رضوى أو هضب شمام . ثم جعل يجول بين الصفين كأنه قطعة سحاب ، وفي كفه سيف كأنه جذوة شهاب ، فأعجب ذلك بيران ، وسُرّ به ، وارتجى الظفر . ثم تقدّم ودنا من رستم وقال : قد أبلغت كلامك إلى الخاقان وغيره من الملوك ، فذكروا أنهم يتقلبون من الأموال والحمالات أضعاف ما في حسابك . وأما إنفاذ الجناة إليك فذلك شيء لا سبيل اليه . فأنهم أقارب أفراسِياب وخواصه . والقبض عليهم على الوجه الذي أشرت اليه شيء لا يجول في خاطر .
معاتبة رستم لبيران وتوبيخه
فاغتاظ رستم عند ذلك ، وخاشنه في خطابه .
ابتداء القتال وضراوة الحرب
ثم أمر الإيرانيين بالجد في القتال .
فاستعروا كالنار الموقدة .
قتال شنكل ورستم وهروب شنكل
وتصدّى شنكل للمبارزة وقال : أين ذلك الرجل السجزىّ ؟ فسمع رستم صوته فأسرع نحوه ، وأشرع في نحره رمحه ، وطعنه طعنة أذرته عن ظهر فرسه . فقام ونجا بنفسه والتجأ إلى أصحابه ، وقال : إن هذا الرجل ليس بانسان ، وما له في الرجولية ثان . ومن ذا الذي يطيق مقاومته ، ويستطيع مدافعته ؟ فقال له الخاقان : إن كلامك الساعة لا يشبه كلامك بالغداة .
فأمر عساكره أن يحملوا بجملتهم حملة واحدة على الإيرانيين . فانقضت الصفوف وتلاطمت الحتوف واختلطت الأرماح والسيوف .
قتال رستم وساوة
فحمل رستم على القلب حمد عظيمة قتل فيها خلق . ثم عدل إلى الميسرة فطحنها طحنا . وتصدّى له فارس من أقارب كاموس يسمى ساوه فعلاه رستم بالجرز فأهلكه .
مقتل كهار الكهاني على يدي رستم
ثم أنصرف نحو الميمنة فتصدّى له كهار ، وبارزه فتقاتلا قتالا عظيما . ثم طعنه رستم طعنة أخرجت روحه ، وخرمن فرسه ميتا . فأرسل رستم إلى طوس يأمره أن ينفذ اليه ألف فارس من نخب الإِيرانيين . فلما حضروا حلف بحياة الملك كيخسرو أنه إن تخلف منهم واحد عنه لم يعامله إلا بالصلب والقتل .
وقوع خاقان الصين في أسر رستم
فصدم بهم الخاقان ومن معه صدمة واحدة ، وحملوا عليهم حمة صادقة . فلما رأى الخاقان صعوبة الأمر عليه أرسل اليه فارسا يستكفه ، ويطلب اليه الصلح . فأبى ذلك رستم ، وحمل عليهم حملة ثانية شق بها صفوف الأتراك حتى وصل إلى الفيل الأبيض الذي كان عليه الخاقان . فرمى بالوهق على الخاقان فأعلقه به ونسكه من ظهر الفيل . فبادره أصحاب رستم ، وكتفوه وانصرفوا به أسيرا ذليلا . فاستباحوا تلك الفيلة المجللة بالجواهر واليواقيت المغشاة بالوشائع والدبابيج .
هزيمة الجيش التوراني أمام جحافل رستم
قال : ولما رأى بيران أصحابه قد تفرّقوا أيدي سبا ، وصادف شعاع دولته باخ وخبا ولى هاربا . فأدبر من بقي من الأتراك ، وتفرّقوا كعقود خانها النظام ، منهزمين لا يلوى أحد منهم على صاحبه .
تقسيم رستم غنائم الحرب
فرجع رستم والظفر يسير في مواكبه ، والإقبال يحتف بكواكبه ، وأمر أمراءه وأصحابه بأن يسجدوا شكر اللّه
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 229
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢٢٩