قلبي من هذا العدوّ ، وجاش صدري بهجومه ، فدعوتك لتكفيني شره . فلما أبطيت جرى ما صدر منى من الاحتداد . فقال رستم : العالم لك وكلنا عبيدك وخدمك . وما جئت إلا امتثالا لأوامرك ، واقتفاء لمراسمك . فقال كيكاوس : اليوم خمر وغدا أمر . فهلم نطيب العيش ثم نرتب الجيش . فأمر فزين برسم الأنس مجلس شاهنشهى يتهلل إيوانه تهلل الربيع الناضر ، وتطن ّ أرجاؤه بأصوات العيدان والمزاهر . واصطفت حواليهم روقة الأقمار ، وأديرت عليهم كئوس العقار . وأقاموا على ذلك إلى نصف الليل .
تجييش كيكاوس ورستم الجيوش والاستعداد للهجوم
فلما كان من الغد أمر كيكاوس فشدّت الكوسات على مناكب الفيلة ، وفتحت الخزائن ، وأفيضت الأرزاق على العبيد والخدم . وبرزوا وهم زهاء مائة ألف مدجج ، فساروا حتى وصلوا إلى قرب قلعة سبيذ ، فصاح من كان على مرقبها منذرين بالعسكر . ولما علم سهراب بذلك صعد إلى سور القلعة ، وشاهد العسكر وجعل يريهم بإصبعه هومان أحد أمرائه . فلما رآهم هومان طار قلبه شعاعا ، ووجم من الخوف حتى كان لا يستطيع خطابا ولا حوارا . فقال له سهراب :
لا يهمنك ما ترى . فإنه ليس فيهم من يقف قدامي ، ويثبت دون عصفة حسامى . وإنما هو سواد عظيم وسلاح كثير . ولأجعلن ، بسعادة الملك أفراسياب ، صحراء المعركة كالبحر الملاطم من دمائهم .
ونزل عن القلعة غير مفكر بهم . وطلب م ساقيه جام خمر فشر به ، وأمر فأخرجت سرادقاته فضربت في الصحراء قدام القلعة . فجللت الأرض بالخيم وامتلأت بالخيل والحشم .
قتل رستم لزند التركي
ولما غابت الشمس عن العيون وأغطش الليل جاء رستم كيكاوس واستأذنه أن يدخل معسكر الترك على سبيل التجسس .
فأذن له فلبس قباء تركيا ، ومضى حتى قرب من الحصار ، فسمع لغط الأتراك وصياحهم على الشرب ، ورأى سهراب كالسرو جالسا على تخته وبين يديه أمراؤه وقوّاده : مثل ِ زند وهومان وبارمان ، وحواليه مائة من فرسان الأتراك ، وقُدّام تخته خمسون وصيفة يرقصن بالدستبنَد . فوقف ينظر إليهم من البعد ويتأملهم وأحوالهم . فقام زند من عند سهراب ، و . وخرج لحاجة . فرأى رجلا يطاول السرو قد وطولا .
ولم يكن قد رأى مثله في عسكرهم . فاستنكره وقال له بحدّة وانتهار : اظهر للضوء حتى نراك . فوكزه رستم بيده وكزة مات منها . ثم إن سهراب تفقد زندا بعد ساعة فأخبر بما جرى عليه . فوثب وأتى مصرع زند ، ووقف عليه متعجبا مما جرى ، ودعا بالأمراء والفرسان ، وأمرهم أن يتحارسوا
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 138
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٣٨