حتى قال له بعض الندماء إن له وراء حجابه بنتا كالشمس الطالعة . وقد خلقت من طينة الجمال ، وأفرغت في قالب الكمال .
بيضاء تسحب من قيام فرعها * وتغيب فيه وهو وحف أسحم
فكأنها فيه نهار ساطع * وكأنه ليل عليها مظلم
فاستهام بها دستان ، وشغفه حبها حتى ملك الغرام عنان قلبه ، واستلبه زمان عقله . وجعل يتجلد ويخفى ما يجن ويضمر . فأبت لواعج همومه إلا الاشتغال ، وسوابق عبراته إلا الانهمال .
نعم ولما أصبح مهراب جاء إلى باب سرادقه للخدمة . فبادر الحجاب ورفعوا دونه الحجب حتى دخل على دستان . فتهلل في وجهه ، وتلقاه بأريحيته ، ولاطفه في الكلام ، وأمر برفع حوائجه ، ووعده بإنجاح مطالبه ، وإنجاز مآربه . فقال مهراب : إن حاجتي أن يتجشم الملك حضور منزلي لينوّره بإشراق طلعته مشرّفا عبده بذلك . فقال : أما هذا فلا سبيل اليه بدون أمر الملك سام . واعتذر اليه ، وخلع عليه . وردّه إلى داره على جملة تسر قلوب مواليه ، وتسخن عيون أعاديه .
سؤال زوجة مهراب عن دستان وشمائله
فلما عاد مهراب إلى داره سايلته زوجته عن دستان وصورته وشكله وحاله بمحضر من ابنته ، وكانت تسمى روذابه فطفق مهراب يصفه ويذكر ما أعطاه اللّه من الصورة الجميلة والشمائل المعسولة ، والمنظر البهىّ ، والرواء الأنيق . وقال : غير أن رأسه أبيض كالكافور ، يرف شعره واردا على عارضيه كأوراق الأقحوان ، على شقائق النعمان . فكأنه لا يصلح لحمرة وجهه ، غير بياض شعره ، ولا لبياض شعره غير حمرة خده . فجعلت روذابه تسمع ذلك بمجامع قلبها حتى أثرت لك الصفة فيها فتغير اصفر لونها . وما أحسن ما قال بعض الحكماء : لا تصفوا محاسن الرجال ، لربات الحجال .
فإنها تعلق بقلوبهن ، وتأخذ من نفوسهن ، وتفتح عليها مكامن الشيطان ، فلا يكون للعقل بمقابلتها يدان . فعشقته روذابه ، وحالفتها الأشجان حتى ملك الهوى عنان اختيارها ، وفجعها بنومها وقرارها .
مشاورة روذابه جواريها
ولما عادت إلى بيتها ضاقت ذرعا عن كتمان سرها . وكان لها خمس جوار يخدمنها ويحضنها مختصات بها . فأفضت إليهن بمكنون سرها ، ومخزون أمرها . وأخبرتهن بما تقاسيه من لواعج الحزن ، ولوافح الحب . فأنكرن ذلك عليها ، وأطلقن ألسنتهن بالتوبيخ والتعنيف ، وأخذن يخوّفنها سطوة مهراب ، ويذكرون لها شدّة غيرته على الحرم . فخنقتها العبرات ، وتصعدت من صدرها الزفرات . ثم أقبلت عليهن وقالت قد فنى منى الاصطبار ، وخرج من يدي الاختيار .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 60
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٦٠