والورق والطعام إلى أجل مسمى ؟ قال : لا أرى بذلك بأسا . فقلت له : إن الحسن يكرهه ،
قال : لولا أنكم تزعمون أن الحسن يكرهه ما رأيت به بأسا ، فأما إذا كرهه الحسن
فهو أعلم به ، فهذا عمر بن عبد العزيز لم يبال بعمل أهل الحجاز إذ وجد القرآن
بخلاف ، وهذا نافع مولى ابن عمر - من كبار فقهاء أهل المدينة - توقف في فتياه
إذ خالفه الحسن وهو عراقي .
ثم نسألهم فنقول لهم : عمل من تريدون ؟ أعمل أمة محمد صلى الله عليه وسلم كلهم ، أم عمل
عصر دون عصر ؟ أم عمل محمد صلى الله عليه وسلم ؟ أم عمل أبي بكر ؟ أم عمل عمر ؟ أم عمل
عثمان ؟ ولم يكن في المدينة إمام غير هؤلاء - أم عمل صاحب من سكان المدينة بعينه ؟
أم عمل جميع فقهاء المدينة ؟ أم عمل بعضهم ؟ ولا سبيل إلى وجه غير ما ذكرنا .
فإن قالوا : عمل أمة محمد صلى الله عليه وسلم كلها بان كذبهم ، لان الخلاف بين
الأمة أشهر من ذلك ، وهم دأبا إنما يتكلمون على من يخالفهم ، فإن كانت الأمة
مجمعة على قولهم فمع من يتكلمون إذا ، وإن قالوا عصرا ما دون سائر الأعصار ،
بان كذبهم أيضا إذ كل عصر فالاختلاف بين فقهائه موجود منقول مشهور ،
ولا سبيل إلى وجود مسألة اتفق عليها أهل عصر ما ، ولم يكن تقدم فيها خلاف
قبلهم ، ثم اختلف فيها الناس . هذا ما لا يوجد أبدا .
فإن قالوا : عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أريناهم أنهم أترك الناس لعمله
عليه السلام ، بل لآخر عمله ، فإنهم رووا : أن آخر عمله كان الافطار في رمضان
في السفر ، والنهي عن صيامه ، فقالوا هم : الصوم أفضل ، وكان آخر عمله عليه السلام
الصلاة بالناس جالسا وهم أصحاء ، وراءه ، إما جلوس على قولنا ، وإما قيام على قول
غيرنا . فقالوا هم : صلاة من صلى كذلك باطل ، ورووا في الموطأ أنه صلى الله عليه وسلم : كان
إذا اغتسل من الجنابة أفاض الماء على جسده ، فقالوا هم : طهور من تطهر كذلك
باطل حتى يتدلك . ورووا أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الصلاة إذا
ركع وإذا رفع ، فقالوا : ليس عليه العمل ، ورووا أنه صلى الله عليه وسلم صلى فقرأ بالطور
في المغرب ، وبالمرسلات ، وكان ذلك في آخر عمره صلى الله عليه وسلم فقالوا :
ليس عليه العمل ، ورووا أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أم الناس فأتم أم القرآن قال آمين
الاحكام — صفحة 217
مساهمون: ابن حزم
ص٢١٧