والمغيرة بن شعبة ، وأبو بكرة ، رضوان الله عليهم ، فأفاضل أئمة عدول .
أما قدامة فبدري مغفور له بيقين مرضي عنه ، وكل من تيقنا أن الله عز وجل
رضي عنه ، وأسقط عنه الملامة ، ففرض علينا أن نرضى عنه ، وأن لا نعدد عليه
شيئا ، فهو عدل بضرورة البرهان القائم على عدالته من عند الله عز وجل وعندنا ،
وبقوله عليه السلام : إن الله اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت
لكم . وأما المغيرة بن شعبة ، فمن أهل بيعة الرضوان وقد أخبر عليه السلام
ألا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة فالقول فيه كالقول في قدامة .
وأما سمرة بن جندب فأحدي وشهد المشاهد بعد أحد وهلم جرا ، والامر
فيه كالأمر في المغيرة بن شعبة .
وأما أبو بكرة ، فيحتمل أن يكون شبه عليه ، وقد قال ذلك المغيرة ،
فلا يأثم هو ولا المغيرة ، وبهذا نقول : وكل ما احتمل ولم يكن ظاهره يقينا فغير
منقول عن متيقن حاله بالأمس ، فهما على ما ثبت من عدالتهما . ولا يسقط
اليقين بالشك وهذا هو استصحاب الحال الذي أباه خصومنا ، وهم راجعون إليه
في هذا المكان بالصغر منهم . فما منهم أحد امتنع من الرواية عن المغيرة وأبي
بكرة معا ، وأبي بكرة وهو متأول .
وأما سمرة فمتأول أيضا ، والمتأول مأجور وإن كان مخطئا ، وكذلك قدامة
تأول أن لا جناح عليه - وصدق - لا جناح عليه عند الله تعالى في الآخرة
بلا شك ، وأما في أحكام الدنيا فلا ، ولنا في الدنيا أحكام غير أحكام الآخرة .
وكذلك كل من قاتل عليا رضوان الله عليه يوم صفين ، وأما أهل الجمل فما
قصدوا قط قتال علي رضوان الله عليه ، ولا قصد علي رضوان الله عليه قتالهم ، وإنما
اجتمعوا بالبصرة للنظر في قتلة عثمان رضوان الله عليه ، وإقامة حق الله تعالى فيهم ،
فأسرع الخائفون على أنفسهم أخذ حد الله تعالى منهم - وكانوا أعدادا عظيمة
يقربون من الألوف - فأثاروا القتال خفية حتى اضطر كل واحد من الفريقين
إلى الدفاع عن أنفسهم ، إذ رأوا السيف قد خالطهم ، وقد جاء ذلك نصا مرويا .
وإن العجب ليكثر ممن يبيح لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي ، والليث
وسفيان وأحمد وداود رحمهم الله أن يجتهدوا في الدماء ، وفي الفروج وفي العبادات
الاحكام — صفحة 204
مساهمون: ابن حزم
ص٢٠٤