مع قوله تعالى : * ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) * الآية : فنظرنا
في النصين المذكورين فوجدنا الانصات عاما لكل كلام ، سلاما كان أو غيره ،
ووجدنا ذلك في وقت خاص وهو وقت الخطبة والصلاة ، ووجدنا في النص
الثاني إيجاب رد السلام وهو بعض الكلام في كل حالة على العموم . فقال بعض
العلماء : معنى ذلك أنصت إلا عن السلام الذي أمرت بإفشائه ورده في الخطبة ،
وقال بعضهم : رد السلام وسلم إلا أن تكون منصتا للخطبة أو في الصلاة .
قال علي : فليس أحد الاستثناءين أولى من الثاني ، فلا بد من طلب الدليل
من غير هذه الرتبة .
قال علي : وإنما صرنا إلى إيجاب السلام رد السلام وابتدائه في الخطبة دون الصلاة
لان الصلاة قد ورد فيها نص بين بأنه عليه السلام ، سلم عليه فيها فلم يرد بعد
أن كان يرد ، وأنه سئل عن ذلك فقال عليه السلام : إن الله يحدث من أمره
ما يشاء وإنه أحدث ألا تكلموا في الصلاة أو كلاما هذا معناه .
قال علي : وليس امتناع رد السلام في الصلاة موجبا ألا يرد أيضا
في الخطبة ، لان الخطبة ليست صلاة ، ولم يلزم فيها استقبال القبلة ولا شئ مما يلزم
في الصلاة ، وأما الخطبة فإنا نظرنا في أمرها فوجدنا المعهود ، والأصل إباحة
الكلام جملة ، ثم جاء النهي عن الكلام في الخطبة ، وجاء الامر برد السلام
واجبا وإفشائه ، فكان النهي عن الكلام زيادة على معهود الأصل ، وشريعة
واردة قد تيقنا لزومها ، وكان رد السلام وإفشاؤه أقل معاني من النهي عن الكلام
فوجب استثناؤه ، فصرنا بهذا الترتيب الذي ذكرناه في القسم الأول آنفا .
قال علي : ومن ذلك أمره عليه السلام : من نام عن الصلاة أو نسيها أن
يصليها إذا ذكرها ، ونهيه عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح ، وحين استواء
الشمس ، فقال بعض العلماء : معناه فليصلها إذا ذكرها إلا أن يكون وقتا
منهيا عن الصلاة فيها .
وقال آخرون : معناه لا تصلوا بعد العصر ، ولا بعد الصبح ولا حين استواء
الشمس ، إلا أن تكون صلاة نمتم عنها أو نسيتموها أو أمرتم بها ندبا أو فرضا
أو تعودتموها .
الاحكام — صفحة 157
مساهمون: ابن حزم
ص١٥٧