وبلغه حديث فاطمة بنت قيس فلم يأخذ به ، فخالف المالكيون رأي عمر ، وأخذوا
بنصف حديث فاطمة فلم يروا للمبتوتة نفقة ، فخالفوا الحديث وعمر في النصف
الثاني فرأوا لها السكنى . وعمر قد قرأ الآية كما قرؤوها . وهكذا فعلوا في رواية
ابن عباس في حديث : حد المكاتب وميراثه ودينه بمقدار ما أدى فقالوا : خالفه
ابن عباس فأفتى بغير ذلك ، ولا حجة لهم في هذا لان هذا الحديث قد رواه أيضا
علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأخذوا به وأفتي به . فلم كان ترك ابن عباس
للحديث حجة على عمل علي به ؟ وقد يحتمل ترك ابن عباس وغيره لما روي وجوها
منها أن يتأول فيه تأويلا كما ذكرنا آنفا ، أو يكون نسيه جملة ، أو يكون نسيه
حين أفتى بهذه الفتيا المخالفة له كما ذكرنا آنفا فيمن أفتى منهم بخلاف القرآن
وهو ناس لما في حفظه من ذلك ، أو يكون لم يكن يبلغه حين أفتى بما أفتى به ثم بلغه
الحديث بعد ذلك ، فإن هذه الوجوه كلها موجودة فيما روي عنهم ، فلا يحل لاحد
ترك كلامه عليه السلام الفتيا جاءت عن صاحب فمن دونه مخالفة لما صح عنه عليه
السلام ، ولو تتبعنا ما تركوا فيه روايات الصحابة وأخذوا بفتياهم ، وما تركوا
فيه فتيا الصحابة وأخذوا برواياتهم ، لكثر ذلك جدا ، لان القوم إنما حسبهم
ما نصروا به المسألة التي بين أيديهم فقط ، وإن هدموا بذلك سائر مسائلهم .
وفيما ذكرنا كفاية .
وبالجملة فصرف الداخلة التي يعترضون بها على رواية الصاحب لما ترك برأيه
أولى أن يكون إلى النقل - لمخالفته لذلك - منه إلى الرواية التي يلزم اتباعها . وهذا
باب قد عظم تناقضهم فيه ، فهذا ابن عمر وأبو برزة هما رويا حديث : البيعان
بالخيار ما لم يتفرقا فحملاه على تفرق الأبدان ، فخالفهما المالكيون والحنفيون
فقالوا : التفرق بالكلام ولم يلتفوا إلى ما حمل عليه الحديث الصاحبان اللذان
روياه . وهذا علي رضي الله عنه روى : الصلاة تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم
ثم روي عنه تركه وأنه أفتى بأنه إذ وقع رأسه من السجود فقد تمت صلاته فخالفه
المالكيون ، ورأوا التسليم فرضا لا بد منه . وتناقضهم في الباب عظيم جدا .
الاحكام — صفحة 150
مساهمون: ابن حزم
ص١٥٠